رغم الأزمة السورية.. اللبنانيون يرفضون العودة إلى الوراء

روزماري ديفيس
روزماري ديفيس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

قررتُ تمضية شهر يوليو في بيروت، فالوقت مناسب لألوذ بالفرار من حرّ دبي ومناسب أيضاً لمتابعةٍ عن قرب لقضايا مهمة في هذا الجزء من الشرق الأوسط. أتلقى دروساً في اللغة العربية وأعمل مع بعض الزملاء في سفارتنا في بيروت وأتحادث معهم، بمن فيهم فريقنا في سوريا الموجود في العاصمة اللبنانية بسبب استمرار إغلاق السفارة البريطانية في دمشق. بيروت أعرفها نتيجة زياراتٍ عدة قمت بها للبنان. عندما كان مركزي في دمشق، كنت آتي إلى هنا للتسوّق والتجوال في المدينة والتزلج على المرتفعات، وعموماً للخروج من الواقع اليومي. وبمقدار ما أحببت دمشق فإن لبنان قدّم لي نوعاً آخر من الترفيه.

من هنا أشعر بمتعة العودة إلى هذا البلد. الطقس في الصيف حار خلال النهار لكنه يقارب الكمال صباحاً وفي المساء. أحب واقع أنني يمكن أن أسير إلى المعهد ومنه، وألا أكون أسيرة السيارة كما في دبي. الحانات والمطاعم مكتظة ومزدهرة ليلاً، والمحلات في الأشرفية تقدّم تشكيلة مغرية من منتجات المصمّمين. بالنسبة إلي، تبقى بيروت أبداً ممتعة ونابضة بالحياة.

لكن هذا ما يبدو على السطح، فعلى مدى خمسة أيام بات واضحاً أن الصورة الحقيقية هي أكثر تعقيدا.

اليوم الأول: رئيس أركان الدفاع البريطاني السير ديفيد ريتشارد يزور لبنان ويجري محادثات مع قيادة الجيش اللبناني. النقاش شمل التحديات الأمنية والسياسية الجمّة التي يواجهها لبنان: تزايد التوترات المذهبية، دور "حزب الله" في سوريا، المراوحة في تشكيل حكومة جديدة والتزايد المضطرد في عدد اللاجئين السوريين إلى لبنان. قبل أسبوع واحد قُتل نحو 17 فرداً من قوات الجيش اللبناني في قتال قرب صيدا في أوسع أعمال عنف تقع في هذا البلد من عام 2008. السير ديفيد أعلن عن تقديم دعم للقوات اللبنانية المسلحة بقيمة 10 ملايين جنيه استرليني، على شكل تدريب وإرشاد وتجهيزات، على أن يأتي المزيد لاحقا. فالمملكة المتحدة تدعم الجيش اللبناني منذ عام 2010 مؤكدة اعتراف بريطانيا بمركزية دوره في حفظ السلام وبالتزامها سيادة هذا البلد واستقراره.

اليوم الثاني: دُعيت إلى مناسبة في السفارة هدفها جمع عدد من السوريين الذين حازوا هبات سابقة من الحكومة البريطانية للدراسة في المملكة المتحدة ضمن برنامج "منح شيفننغ". وبموجبه تلقى نحو 170 سورياً تعليمهم في بريطانيا. اليوم، وهذا ما لم يكن مفاجئاً كان حجم حضور الاجتماع ضئيلاً. قليل من المدعوين تمكن من أن يأتي من سوريا بعدما أمضى نحو 4 ساعات لعبور الحدود بما في ذلك التأخير في الجانب اللبناني منها. كثيرون اتصلوا هاتفياً للاعتذار، قائلين إنهم حاولوا عبور الحدود من دون جدوى فاضطروا إلى العودة.

أما الذين تمكنوا من الحضور فتحدّثوا عمّا يحصل في سوريا. إحداهم أستاذة جامعية روت كيف أن صفاً كاملاً من الطلاب تقلص عدده ليصل إلى بضعة أفراد. وأكدت أن عدداً من طلابها غادروا البلاد معا، فيما أبقي آخرون في منازلهم بطلب من أهلهم خوفاً من تعرضهم للخطر. وفي المقابل، شرح أحد المدعوين الذين وصل في اليوم ذاته من دمشق كيف يجاهد لإبقاء عمله قائماً وسط أزمة اقتصادية خانقة. وأوضح جميع المتحدثين أن تركيزهم ينصبّ على سبل مواصلة العيش من يوم إلى آخر. جميعهم يطغى عليهم الحزن والإرهاق. لم يبدوا اهتماماً في تأييد أي من طرفي النزاع، أرادوا فقط انتهاء الحرب وعودة الحياة إلى طبيعتها.

بعض الذين حضروا اللقاء كانوا قد انتقلوا للعيش في بيروت بعدما حاولوا عبثاً البقاء في بلادهم قبل اتخاذ قرار الرحيل. هم اليوم أمام تحدي بناء حياة جديدة والعثور على عمل فيما يتابعون التطورات السورية متسائلين عن موعد العودة إلى وطنهم.

اليوم الثالث: جاستين غرينيغ، وزيرة الدولة البريطانية للتنمية الدولية تزور لبنان للإعلان عن تقديم 50 مليون جنيه استرليني للدولة اللبنانية لمساعدتها في استيعاب العدد الهائل من النازحين السوريين الباحثين عن مأوى. العدد الرسمي للاجئين السوريين في لبنان هو نحو 600 ألف علماً أن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أنه أكبر من ذلك بكثير. هذا إضافة إلى نحو 450 ألف لاجىء فلسطيني يستضيفهم لبنان منذ أعوام طويلة بحيث بات حالة خاصة في استقبال العدد الأكبر من اللاجئين مقارنة بعدد سكانه.

في لبنان هنالك تعاطف حقيقي مع معضلة الشعب السوري. لكن في الوقت نفسه هنالك مخاوف من تأثير ما يحدث في سوريا على الوضع اللبناني واحتمال زعزعة الاستقرار وانعكاس التطورات على الحياة اليومية الصعبة أصلاً على المواطنين اللبنانيين.

قالت لي صديقة لبنانية إن زوجها فقد عمله ولم يتمكن من الحصول على وظيفة أخرى. راتبها هي بات الدخل الوحيد الذي يؤمّن استمرار أسرة مؤلفة من أربعة أفراد. الحياة صعبة عليهم وبالكاد يسدّون الحد الأدنية من حاجاتهم الأساسية. في رمضان هذه السنة ليس لديهم المال لشراء ثياب أو هدايا أو غيرها. تقول إن جزءاً من المشكلة هو غرق سوق العمل اللبنانية بعدد كبير من السوريين الذين يعرضون نفسهم للعمل بأجور متدنية كثيراً عن طالبي العمل من اللبنانيين.

في شارع الحمرا، أثناء تجوالي سيراً مع إحدى الزميلات في السفارة، قالت لي إن لكنة معظم الناس هنا باتت سورية أكثر منها لبنانية.

اليوم الرابع: في معهد تعليم العربية، خضت أنا وأستاذي في سيل من الأسئلة المخصّصة لإطلاق محادثة أو حوار. أحد الأسئلة كان: "ماذا يمكن أن تغيّري في بلادك لو أصبحت رئيسة لها؟" فوجدت نفسي أتحدّث بعبارات غامضة عن إحداث تغييرات في المملكة المتحدة تتيح إيجاد مزيد من فرص العمل للناس. وفيما كنت أحاول جاهدة تنسيق الأفكار وضبط قواعد اللغة، طرحتُ بنفسي السؤال على مدرّسي. ماذا كنت ستغيّر في لبنان لو أصبحت رئيساً للبنان؟ فأرجع رأسه إلى الوراء وطفق ضاحكاً: من أين أبدأ؟

اليوم الخامس: بدأ عادياً إلى حين تلقيتُ رسالة نصّية عن وقوع انفجار في جنوب بيروت. عدت إلى السفارة حيث تابعنا عبر التلفزيون ما يمكن تسميته بالتشويه الواضح والمستمر للوضع. فاللبنانيون حبسوا أنفاسهم، وعادت ذكريات القتال الذي وقع قبل أسبوع في صيدا مخلّفاً نحو 30 قتيلاً. ولحسن الحظ، لم تقع ضحايا هذه المرة على رغم إصابة نحو 50 شخصاً بجروح. لا معلومات فورية عن المتسبّب بهذا الحادث أو المسؤول عنه. لكن لا شك في أنه مرتبط بالدور الذي يقوم به "حزب الله" في سوريا. تذكير جديد بأن تدخل الحزب في سوريا لا يفيد مصالح أي من السوريين أو اللبنانيين.

بعد أسبوعي الأول في بيروت، أيقنتُ أن هنالك الكثير يحصل في هذه البلاد، مما يمكن ملاحظته للوهلة الأولى. لكن في الوقت نفسه، من الواضح، على نقيض الشكوك والمخاوف، فإن هذا الشعب يظهر مرونة وجلداً كبيرين على السطح وما تحته. فقد دخل أبناؤه في نزاعات كثيرة عبر السنين، وهم غير مستعدّين للعودة إليها. ومن جانبها، ستواصل المملكة المتحدة القيام بما يمكن لدعم اللبنانيين في الحفاظ على السلام والاستقرار في مواجهة التحديات.


* المتحدثة باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط