.
.
.
.

صراع «الإخوان».. الصفحة الثانية أين؟

وفيق السامرائي

نشر في: آخر تحديث:

في أسوأ تقدير موقف استراتيجي، وضعت القيادة الأممية لـ«الإخوان المسلمين» نفسها في حالة صدام مع الأمن الوطني لمعظم الدول العربية، من دون الحاجة إلى الخوض في مسميات محددة. فلم يسبق لحركة الإخوان المسلمين الدخول في مجابهة مفتوحة كما هو الحال الآن. ويبدو أن نشوة الفوز المرحلي الذي تحقق لها على الساحة المصرية تسببت في اتخاذ قرارات غير مدروسة على مستوى الدول العربية. ولعل ما قيل من معلومات مسربة عن اجتماع قيادة «الإخوان» مؤخرا في اسطنبول يعكس حالة التخبط في القرار بعد الضربة الاستراتيجية التي تلقتها بتدخل القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية لصالح الأكثرية الشعبية.

إن ما لم يدركه المرشد العام لـ«الإخوان المسلمين» ورفاقه هو أن القوات المسلحة المصرية وأجهزة المخابرات لم تتأثر بأحداث تخلي الرئيس السابق محمد حسني مبارك عن الحكم. فقد بقيت هذه المؤسسات متماسكة وقوية، ولم تتعرض لأي انشقاقات، خلاف معظم القوى التي مرت بحالات مماثلة، إلى درجة جعلتها تمثل قوة الضربة الكبرى في موازين القوى، التي تتطلب عملية الحسم في الأوقات الحرجة وجودها. فجاءت الضربة مفاجئة لمتلقيها بما يكفي لفرض معادلات، لم يتلق «الإخوان المسلمون» ضربة أوجع منها، قياسا بالمعطيات المفترض استغلالها بحكمة.

الصفحة الأولى في صراع «الإخوان» كانت المبادأة فيها بيد القوى الشعبية بحسم القوات المسلحة، ولم تكن صفحة بمبادرة «إخوانية»، فقد تلقى الفشل الحزبي في تقدير ردود الفعل الجماهيرية المصرية والرسمية العربية ضربة يمكن وصفها بالمفزعة، على الرغم من أنهم لا يزالون يمتلكون قدرة الحراك العام النشط على المدى القريب.

وإذ يمكن اعتبار خسارة «الإخوان المسلمين» في مصر بمستوى التأثير على العصب المسيطر الحساس، فإنه من المرجح أن تكون الصفحة الثانية خارج مصر، بمبادرة لنقل الصراع، خلاف ما نسب إلى راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية قوله، من أن محاولة نقل ما يحصل في مصر إلى تونس مضيعة للوقت، وأن بعض المعارضين بالونات فارغة، وهو قول يخالف كل عناصر المقارنة والتحليل، خصوصا أن الجيش التونسي لم يتأثر بعملية تخلي الرئيس السابق زين العابدين بن علي عن الحكم ومغادرته البلاد.

إن حركة حماس وحركة النهضة تغامران بمستقبليهما، إذا ما انخرطتا فعليا في أي نشاطات للتنظيم الأممي لحركة الإخوان المسلمين، لسبب واضح جدا، وهو أن مثل هذا التوجه يستهدف أمن النظم السياسية العربية بالصميم، مما يترتب عليه ردود فعل واسعة على جبهات متعددة. وأي تعويل على انشغالات أخرى سيكون خطأ أكثر فداحة مما حدث في مصر حتى الآن. فالدول العربية باتت أكثر استعدادا لاتخاذ قرارات تقع خارج حسابات قيادة المرشد العام، بما تمتلك من إمكانات كبيرة تعززها عمليات تعاون وتنسيق استخبارات على مستوى عربي شبه شامل.

إن أي تقدير للموقف يستند إلى تحديد الصفحة الثانية في مصر سيقام بناؤه على أسس افتراضية تفتقر إلى الرؤية الأمنية السليمة. فما سيحدث في مصر من خطوات لاحقة سيكون رغم أهميته الكبيرة والمجهدة استكمالا للصفحة التي بدأت في 30 يونيو (حزيران) الماضي. أما الصفحة الثانية فستكون عملية استثمار النجاح على الساحة المصرية، لإفشال تجربة ووجود حركات الإخوان المسلمين في الخارج عموما، وسيكون الوضع التونسي محورا لجهود التفكيك، وستجد حركة النهضة نفسها أمام متغيرات تفوق قدرتها على الاحتواء، لا سيما أن القوات المسلحة وأجهزة الأمن تمتلك صفة معنوية مقاربة نسبيا لصفة القوات المصرية.

وأصبحت عقدة «الإخوان المسلمين» مماثلة للأحزاب والحركات التي تشعر بالإحباط، مركزة على التشكيك في كل ما يكتب من تحليلات أمنية وسياسية، بينما تعاني ضعفا بالغ الخطورة في الخبرات العسكرية والأمنية ضمن إطارها الاستراتيجي، حيث بقيت نشاطاتها محددة بقضايا تنظير بعيد عن العمل المؤسساتي المرتبط بإدارة صراع غير حزبي. ويشعر «الإخوان المسلمون» اليوم كأن العالم قد استنفر جهوده ضدهم، وهو وصف لا يتطابق مع الواقع وإن اقترب منه كثيرا. ووفقا لكل المقاييس فإن خيارات التنظيم أصبحت حرجة للغاية على مستوى الدول العربية وغيرها، وقد تكون الراية البيضاء التي ورد ذكرها، خيارا أكثر واقعية، على أمل استغلال ظروف ليس هذا وقت حدوثها. أي أنهم خسروا الحرب، وهو ما كتبنا عنه هنا قبل أشهر عدة.

* نقلا عن "الشرق الأوسط" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.