مأزق المشروع السياسي للإسلاميين

هالة مصطفى
هالة مصطفى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

سيظل‏30‏ يونيو علامة فارقة في تاريخ مصر المعاصر وربما شكل نقطة تحول علي نطاق العالم العربي والاسلامي برمته‏,

لكون مصر تمثل ثقلا اقليميا وتعد دولة محورية في منطقتها يتجاوز تأثيرها حدودها الجغرافية ولكونها أيضا البلد الذي نشأت فيه الحركة السياسية الاسلامية الأم لجميع تيارات وجماعات ما يسمي بالاسلام السياسي.
وهي جماعة الاخوان المسلمين التي ظلت منذ نشأتها في1928 تلعب دور المعارضة وتمد نفوذها وفروعها إقليميا ودوليا حتي وصلت لأول مرة الي الحكم في2012 والذي بدوره لم يستمر سوي عام واحد انهار بعده علي اثر انتفاضة شعبية واسعة شملت جميع فئات المجتمع تقريبا و تياراته السياسية ونخبته المثقفة وأدت في النهاية الي تدخل الجيش تجنبا لحرب أهلية أو فوضي محتملة. وهذه في ذاتها( أي تدخل الجيش بعد انتفاضة شعبية) تشكل خصوصية للتجربة المصرية عما شهدته نماذج أخري مثل مقارنة البعض علي سبيل المثال ما حدث في مصر بتجربة الجزائر في أوائل التسعينيات عندما تدخلت المؤسسة العسكرية بقرار منفرد لاقصاء جبهة الانقاذ الاسلامية التي تزعمها عباس مدني والغائها الجولة الثانية من الانتخابات بعد فوز الأخيرة في انتخابات البلديات, وهي مقارنة في غير محلها. ففي هذه التجربة لم يكن هناك انفتاح سياسي ولا تعددية حقيقية.
والأهم من ذلك لم تكن هناك تجربة حكم للاسلاميين, أي لم يكونوا قد اختبروا أو خرجوا من صفوف المعارضة ليتحولوا الي سلطة قد يقبلها المجتمع أو يرفضها اذا فشلت في تحقيق الرضاء العام مثلما حدث في مصر. وانتهي الأمر في التجربة الجزائرية بالانزلاق في دائرة العنف لما يقرب من عشر سنوات بعد لجوء جبهة الانقاذ الاسلامي الي تشكيل جماعات مسلحة حتي وصل الأمر الي حظر وجودها الشرعي و خروج زعيمها لاجئا الي قطر, أي أن اللجوء الي العنف كانت نتيجته الحتمية هو الاقصاء في ذلك الوقت. ولا شك أن كل من يعمل في السياسة الآن سواء جماعات أو أحزابا أو حركات احتجاج يدرك جيدا أن زمن العمل السري أو المسلح قد انقضي و أنه لن يوصل صاحبه الا الي المواجهات و الصدامات ثم الاستبعاد. وهذا هو درس التجربة الجزائرية. أما في تركيا التي تمثل النموذج الأهم للعلاقة المركبة بين المؤسسة العسكرية و الحركة الاسلامية من ناحية وبين الأخيرة والمجتمع بتياراته السياسية وتقاليده العلمانية المعروفة من ناحية أخري, فهي تجربة خاصة تختلف أيضا عن الحالة المصرية لأن الجيش التركي هو في النهاية جيش له توجه أيديولوجي مستمد من المبادئ الكمالية نسبة الي كمال أتاتورك وهو نموذج غير متكرر بين جيوش المنطقة. لذا فقد شهدت تركيا انقلابات عسكرية صريحة بمبادرة من المؤسسة العسكرية دفاعا وحفاظا علي تلك المبادئ مثلما حدث في الستينيات ضد حكومة عدنان مندريس أو في أوائل الثمانينيات مع انقلاب الجنرال كنعان ايفرين. ولكن لا يعني ذلك أن أزمة الحركة الاسلامية ظلت مقتصرة علي مواجهتها مع المؤسسة العسكرية, فمع تجربة نجم الدين أربكان- في منتصف التسعينيات الذي أسس أول حزب اسلامي تركي( تحت اسم النظام الوطني ثم الفضيلة وأخيرا الرفاه) وكان شديد القرب من فكر الاخوان, كان الصدام مع المجتمع بحكم سعيه المتعجل أي حزب أربكان- لتغيير الهوية الثقافية التركية, وبالتالي كان دور المؤسسة العسكرية دور غير مباشر. أما التجربة الحالية لاردوغان وحزبه الاسلامي العدالة والتنمية فاستمراره في الحكم لأكثر من عشر سنوات يعود الي المراجعة الذاتية التي أجراها من داخل الحركة الاسلامية حتي تخرج بخطاب غير تصادمي ورغم ذلك, ومع أول بادرة صريحة يقوم بها حزبه لفرض أيديولوجيته علي المجتمع اندلعت ضده مظاهرات واسعة متجاوزة المؤسسة العسكرية أيضا, لذلك ربما تكون هذه الاحتجاجات الشعبية الأخيرة هي الأخطر علي حكم أردوغان علي المدي الأطول. إذن ماذا تعني هذه النماذج؟ وما هي دلالتها؟
الاجابة الواضحة تشير الي أن معضلة ادماج القوي الاسلامية في العملية الديمقراطية لا يمكن اختزالها في مجرد صراعها مع الدولة أو السلطة المستبدة بأجهزتها المختلفة والذي قد تشاركها فيه كثير من القوي السياسية المدنية لأنه من الناحية النظرية يكون خطاب الديمقراطية واحد او مبادؤها واجراءاتها معروفة ولكن بين النظرية والتطبيق تكمن مساحة الخلاف. فالذي يحكم في النهاية القوي الاسلامية( جماعات وأحزاب و تيارات) هي مرجعيتها الايديولوجية التي تختلف في جوهرها مع منظومة القيم الديمقراطية وأسس الدولة المدنية الحديثة, لذلك ففي جميع التجارب التي انخرطت فيها القوي الاسلامية في العملية السياسية كانت تبدأ بصدام مع الدولة أو السلطة ولكن سرعان ما تنتهي بصدام مع المجتمع.
المأزق الذي يواجهه المشروع السياسي للاسلاميين انما ينبع من داخل مشروعهم ذاته ببنيته الايديولوجية والفكرية التي لم تتطور ولم تمض بنفس سرعة حركتهم السياسية, خاصة أن الخطاب السياسي الاسلامي نشأ وانتشر في ظل وجود القوي الاسلامية في المعارضة وهو ما وفر لها نجاحا معينا لكن اختلف الأمر عندما تحولت الي سلطة, وهي أزمة تواجه كل المشاريع التي تقوم علي ايديولوجيات مغلقة أو جامدة, لأنها تقوم بالاساس علي فكرة الحشد والتعبئة وراء شعارات حماسية و لكنها لا تملك رؤية وبرامج واضحة لادارة دولة أو معالجة المشاكل الحياتية اليومية التي يواجهها المجتمع. وهذا ينطبق علي قصة صعود وهبوط جماعة الاخوان المسلمين في معادلة المعارضة والحكم. فقد استمرت تتصرف وكأنها تنظيم مغلق علي أصحابها تزاوج بين خطابين متناقضين أحدهما معارض( أي كأنها مازالت خارج الحكم) والآخر سلطوي بحكم وجودها فعليا في الحكم, وفي الحالتين تستدعي وتخلط الشعارات السياسية بالدينية( مثل الشريعة والشرعية) أو الجدل حول الهوية والتي أدخلت البلاد في حلقة مفرغة. ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للتيارات السلفية التي انتقلت بدورها فجأة مما يعرف بالعمل الدعوي الي السياسي دون مراجعات فقهية أو فكرية. بالتالي بدت مرتبكة في مواقفها السياسية وهي وإن بدت ظاهريا أكثر مرونة في بعض تلك المواقف مقارنة بالاخوان, إلا أنها مازالت تقف علي يمينهم من الناحية الايديولوجية لتكون الطرف الأكثر تشددا من هذه الزاوية.
إن انتقال الاسلاميين من المعارضة الي السلطة كشف الكثير من جوانب الخلل في مشروعهم السياسي وفي علاقاتهم بالدولة والمجتمع معا وهذا هو المأزق الذي يعانون منه الآن.

*نقلا عن "الأهرام" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط