الزومبي العربي

عبدالله السويجي
عبدالله السويجي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

بحثت عن أسباب الكراهية في أكثر من رأي واجتهاد فوجدتها تتمحور حول مفردات مثل: الغيرة والخيانة والكذب والغش وغياب العدل والنميمة والجدال والحسد وقسوة القلب والاستئثار بالمنافع والتعدي على حقوق الإنسان . ووضع بعض المحللين النفسيين الكراهية في خانة الأمراض النفسية التي لا تتجاوز أسبابها إحدى أو مجموعة من المفردات التي ذكرت، ويعزو معظم المحللين السياسيين الكراهية إلى الحملات الإعلامية السياسية والدينية المدعومة بالفتاوى . والفتاوى تلقى آذانا منصتة وقلوباً مستقبلة فتلتزم بها ببصائر مغلقة . ونظرت في المشهد الذي يعم دول ما يسمّى بالربيع العربي وبحثت عن أسباب الكراهية التي انتشرت بين الشعب الواحد، ثم بين الشعوب والأديان والمذاهب والطوائف فوجدت أنها تعود إلى ازدهار المفردات التي ذكرت وانتشارها بين الناس، وكثير من تلك المفردات إنما هي قيم ضمن منظومة القيم التي يُستند إليها عند دراسة صحة المجتمعات، وتشكل معايير مهمة للغاية، ففي هذه الدول يبدو المشهد مؤلماً حين تثبت الأحداث أن كل تلك القيم والمبادئ فُرّغت من مضامينها واستخدمت لتجييش الناس واستقطابهم وتغذية الكراهية في نفوسهم، ما أدى إلى انتشار العنف إلى درجة نشعر وكأننا أمام حروب أهلية، فبعض المشاهد توافرت على عناصر الحرب الأهلية، وبعضها في الطريق إليها، وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه فإنها ستصل لا محالة إلى توافر جميع أركان الحرب الأهلية .

إن ما يحدث في المشهد الذي بدأ ربيعاً وتحول إلى خريف قاس بفعل البغضاء والكراهية، ينذر بشرّ مستطير ولا مبالغة لو استدعينا أسطورة (الزومبي) حين يعود الناس من الموت ليقتاتوا على دماء البشر الأحياء، فيتحول كل مصاب إلى (زومبي) جديد، حتى تمتلئ الكرة الأرضية ب(الزومبيين) ولا يكون أمام الأصحاء جسدياً ونفسياً سوى إبادة هؤلاء المرضى المصابين أو الأموات العائدين بفعل السحر، وقد عولجت هذه الأسطورة في أفلام سينمائية عديدة، وبقليل من المقاربة نجد أن المشهد في بعض الدول العربية يشبه كثيراً المشاهد السينمائية، وتتحول المواجهة بين الطرفين (المصابون والأصحاء)، إلى صراع وجود، أي إما قاتل وإما مقتول، ودرجة العنف التي تمارس حالياً في بعض الشوارع العربية ليست سوى صورة مصغرة عما يعتمل في المجتمع من أحاسيس بالبغض والكراهية وإلغاء الآخرين، ولم يجد بعض (قادة) الشوارع سوى الدين، فهو القادر على قول كلمة الفصل وشحن النفوس، لأن القضية تتحول إلى (أمر إلهي) يجب طاعته . ويشير الكاتب والأكاديمي العراقي د . عامر صالح في مقالته التي عنونها ب(في سيكولوجيا الكراهية والعنف وتداعياته السياسية) إلى “أن الخطاب الديني المتطرف بشقيه التكفيري والسياسي يلعب اليوم دوراً خطيراً في زرع الكراهية والعنف بين شرائح المجتمع، سواء من ذات الدين الواحد عبر إشاعة الفرقة بين طوائفه ومذاهبه المتنوعة، أو بين المجتمع المتعدد الديانات عبر فرض أجندة دينية وسياسية دينية وحيدة الرؤى، ما يحرم الآخرين من حق التمتع بممارسة حقوقهم الدينية وحريتهم في المعتقد، ويخلق بيئة مؤاتية للعنف والعنف المضاد تراق فيها دماء الملايين من مختلف الأديان والمذاهب والطوائف المختلفة . وبما أن الكراهية والعنف منبوذان ومدانان في كل القيم والأديان السماوية وغير السماوية، فإنه لا يجوز اللجوء إلى تأويلات متشددة ومتحيزة ومزاجية، بل ومصلحية للنص المقدس وللأحداث التاريخية والافتراضات العبثية لنيات الآخرين المغايرين في الدين أو المذهب، واستحضار الجانب المؤلم في التاريخ، وذلك بالتزامن مع الفتاوى التي تصدر يومياً في الخفاء والعلن من دعاة الدين لإيقاظ وإلهاب روح الكراهية والتحريض والعنف بين الناس، وضرب وحدتهم الوطنية في الصميم، وهكذا يتحول العنف من قيمة منبوذة في الدين والسياسة إلى واجب ديني “إلهي” وسياسي له الأولوية في عقول المتطرفين على بناء الوطن ونهضته”!!

ويبدو أن الخطاب الديني لم يظهر فجأة وإنما جاء عبر تراكم زمني كانت تنشط فيه المجموعات بحجج دينية وأخلاقية، بينما كانت تستغل الدين للسياسة وبالتالي الوصول إلى الحكم . وما يميز هذه الجماعات أنها تختزن شحنات كراهية كبيرة، والدليل على ذلك إقدامها على التصفية السريعة والمباشرة لخصومها، فضلاً عن المظهر الخارجي الذي يحرصون على رسمه أمام الناس، والذي يتسم بالحزم والقسوة فوجوههم لا تضحك ولا تبتسم، وأجسادهم ضخمة وشعورهم طويلة ولحاهم مرسلة، وفي المقابل، وعلى الضفة الأخرى من الكراهية انتهج الصف المواجه لتلك الحركات الأسلوب ذاته، وبدأ يشحن أنصاره بكراهية هؤلاء، ويضيف الطرفان بأنهما يستخدمان عنصر الخيانة سلاحاً حاداً والعلاقة مع “إسرائيل” هي المعيار، والنموذج السوري واضح في هذا المضمار، والنموذج المصري بدأ يظهر إلى السطح بعد نجاح حركة تمرد في إطاحة نظام الإخوان المسلمين، لتدخل الدولتان في دائرة من الكراهية لا تنتهي إلا بعد مئة عام أو أكثر، كما حدث في الحروب الدينية الأوروبية التي استمرت 131 سنة (1517-1648م) وكانت أحداثها قد جرت في سويسرا وفرنسا وألمانيا وهولندا وإنجلترا وسكوتلندا وإيرلندا والدنمارك، وراح ضحيتها ملايين من الناس، وهذه الدول هي ذاتها التي تتمتع اليوم بأفضل القوانين واستقرار المجتمعات وأكثرها ازدهاراً وتقدماً حتى إن كثيرين يدفعون الغالي والنفيس للهجرة إلى إحدى هذه الدول أو اللجوء إليها .

إن السؤال الذي يدور في خلد كل صاحب بصيرة هو: ألم يقرأ الداعون إلى إقامة (الخلافة) عن تلك الحروب التي لم تبق ولم تذر، وأكلت الأخضر واليابس، أم أن التاريخ يعيد نفسه ولكن على الأرض العربية؟ هذه الأرض التي بعث الله فيها رسله لينشروا مبدأ التسامح والتعايش والتعاون لتعميرها، وتتحول بفعل الحاقدين الكارهين المصادرين لحريات الناس إلى بحيرات من الدم وغابات من الخراب ومخيمات للاجئين، وليعيدوا الناس إلى عصور الظلام ومحاكم التفتيش والقتل حسب المذهب والطائفة والدين .

الكراهية منتشرة في كثير من المجتمعات التي تعرضت للتغيير، وكان هدف التغيير في الأساس نشر المحبة والعدل ودولة القانون، فلماذا يصرون على خطف مبادئ المحبة والتسامح والعيش المشترك وزجها في سجون الكراهية، لينظر الأخ إلى أخيه، والجار إلى جاره بقلوب مليئة بالحقد والكراهية؟

نقلاً عن صحيفة "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط