ربيع بلا خضرة
البلاد العربية تعيش أسوأ مراحلها عبر التاريخ . وأسوأ السوء في هذه المرحلة أن البعض من السياسيين والمنتسبين للثقافة والإعلام يرون في شلالات الدم ربيعاً، ويسمّون استبدال الاستبداد بالفوضى، ثورة . تونس التي أطلقت عملية التغيير تواجه وضعاً يحمل العديد من المعاني، كل منها أسوأ من الآخر . لا حريات ولا توافق ولا إجراءات لمكافحة الفساد . ثلاثة قيادات وطنية اغتيلوا بكاتم الصوت في عصر “الديمقراطية الخضراء”، ثمانية جنود قتلوا دفعة واحدة برصاص مسلحين، محاكمة فنانين ومدونين، والأدهى بروز ظاهرة التكفير التي لم تعرفها تونس في تاريخها الحافل بالمدنية والتحضر والتسامح .
مصر التي شهدت انتفاضة شعبية أدهشت العالم، تجد نفسها بعد سنتين ونصف السنة من المشهد المدهش تنتقل من نظام مستبد باسم العلمانية لنظام مستبد باسم الدين . وها هي تواجه موجة فوضى غير مسبوقة، لأن فئة من أبنائها تضع خراب البلاد في الكفة المقابلة لفقدان السلطة، وبعض أبنائها يكفّرون من سواهم ويُخرجون من الملّة من لا يلحق بهم حيث يريدون . سيناء في مهب رياح الإرهاب حيث القتل اليومي للجنود وأفراد الشرطة في حواجزهم وعلى موائد إفطارهم، وأشخاص يخطفون ويقتلون، أحدهم فصلت رأسه عن جسده، والخلفية الظاهرة طائفية، أما الخلفية الحقيقية ففتنة موجّهة ومموّلة .
في العراق شلال دم لا يتوقّف ومفخّخات تبعثر أجساد الأبرياء في الأسواق والمساجد والمزارع والمنازل، وآخر الفصول انفجارات متزامنة لسبع عشرة سيارة مفخّخة أودت بحياة العشرات، والقوى السياسية كل منها يتربّص للآخر، وقد أحل لهم الاحتلال دكتاتورية المحاصصة الطائفية بديلاً للدكتاتورية السياسية . ما هذا البلد الذي لا أمان فيه لعجوز أو امرأة أو طفل أن يمشي في الشارع؟ .
ليبيا لا تعرف رأسها من أساسها، فحيث تغيب الدولة تنتعش الميليشيات، ويستطيع قائد مجموعة من المسلّحين أن يحاصر وزارة ويشل عملها إلى إشعار آخر . وهي أخيراً “اهتدت” للسيارات المفخّخة التي تنفجر وسط المدنيين على نحو يومي في الآونة الأخيرة، بالتوازي مع اغتيال النشطاء السياسيين أمام منازلهم .
وفي سوريا ينتشر الموت في كل مكان . قصف وتدمير واغتيالات وسيارات مفخخة وقتل على الهوية وأكل قلوب وأكباد، وتشريد، وتخريب لحضارة عمرها آلاف السنين، وتمزيق ثقافة عريقة، وتبديد تراث يتمنى معظم شعوب الأرض أن يكون له . ولبنان الذي عرف الحروب الأهلية منذ عقود، يعيده البعض أو يحاول إعادته لماض أسود عنوانه الفتن الطائفية والمذهبية والانقسام حتى على الحصّة من الهواء .
المثقفون العرب كإعلامهم، يغطسون في جدل عقيم كجدل الأسبقية بين الدجاجة والبيضة، يتجاذبهم الانقسام بين موالاة ومعارضة ولا وجود للأوطان والقضايا الوطنية والقومية، وبات التمترس خلف المواقف المسبقة سمة العصر الثقافي العربي في ربيعه المزعوم الذي تحتل فيه فلسطين موقع الصداع من الرأس، وإن ذكرت فعلى سبيل المتاجرة والمناكفة، وكمادة لتصفية الحسابات مع كل الجهات ما عدا “إسرائيل” . يحصل ذلك فيما يذهب فريق فلسطيني إلى التفاوض مع “إسرائيل” كمن يذهب إلى حتفه برجليه، ذلك أن “العم” جون كيري يريد استئناف المفاوضات بلا شروط مسبّقة، لتستغلّها أمريكا غطاء لمؤامرة “سايكس بيكو” الجديدة التي تنفذ في هذه الآونة .
نقلاً عن صحيفة "الخليج"