هل لدى منتقدي مفاوضات السلام خيار أفضل؟

فيصل عباس
فيصل عباس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

على الرغم من أن النظرة السائدة إلى مفاوضات السلام الإسرائيلية-الفلسطينية هي أنها في الغالب تنطوي على الكثير من "المفاوضات" والقليل من "السلام"، فإنه لا بد من الإقرار بأن أي بصيص نور للنجاح يبقى أفضل من لعن الظلام والتداعيات السلبية لترك الوضع على ما هو عليه.

ففي حين يمكن تفهم السخرية والسلبية التي استقبل بها الإعلان عن استئناف مفاوضات السلام برعاية أميركية، علينا ألا ننسى أن الأصل هو كون ذلك تطورا إيجابيا يتطلب ترحيبا، وليس استنكارا.

والترحيب بمثل هذا التطور لا يقلل بأي شكل من أسباب التشكيك في مدى إمكانية نجاح هذه المفاوضات، خصوصا بعد مضي سنوات طويلة من خيبات الأمل والمفاوضات الفاشلة، والانقسام المستمر بين فتح وحماس، بالإضافة الى حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي أن حزب الليكود، حزب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ما زال يرفض الاعتراف بدولة فلسطينية.

لكن الانتقاد والسخرية ليسا سوى خيار الكسالى، إذ يسهل كثيرا الجلوس وانتقاد محادثات السلام حتى قبل أن تبدأ. ويبقى السؤال الحقيقي: هل إن لدى المنتقدين أي بديل آخر؟

فبالنسبة للفلسطينيين لا يمكن للوضع أن يصبح أسوأ مما هو عليه، حيث الانقسام السياسي ما زال سائدا، والاقتصاد في حال مزرية، والحلفاء التقليديون منشغلون بمشاكلهم الداخلية بينما إسرائيل تستمر في فرض الواقع على الأرض.

صحيح أن البعض يمكن أن يقول إن مباحثات السلام قد تأخرت كثيرا، لكن ألا يعني ذلك أن إضاعة مزيد من الوقت ليس من شأنه سوى أن يزيد الوضع سوءا؟

بلا شك فإن إضاعة الوقت ليست في مصلحة الفلسطينيين، وعلى منتقدي مباحثات السلام أن يدركوا أمرا في منتهى البساطة وهو أنه بينما يمكن للمفاوضات أن تنجح أو تفشل في تحقيق السلام، إلا أن الامتناع عن المفاوضات لا يمكن إلا أن تؤدي الى فشل مضمون...خصوصا في ظل غياب أي بديل منطقي.

أما بالنسبة الى التدخل الأميركي في الموضوع، فيرى المنتقدون أنه مبني على المصلحة الشخصية ورغبة في كسب المصداقية مجددا، حيث إن مصداقية الإدارة الأميركية قد تدهورت منذ الربيع العربي في عام 2011.

فالبعض يرى أن الولايات المتحدة الأميركية قد غرقت في الوحول السورية، وفي مصر ينظر اليها الطرفان، المؤيد والمعارض للرئيس المعزول محمد مرسي، على اعتبار أنها ضالعة في المؤامرة.

كما أنه، ومع تزايد الدور الروسي والأوروبي، وحتى الصيني، فإن الشرق الأوسط لم يعد ملعب خيل الولايات المتحدة من دون منازع. فالمساعدة الأميركية لمصر التي تبلغ 1.5 مليار دولار (5.4 مليار درهم) والتي بدا الرئيس الأميركي باراك أوباما شديد الحرص عليها، من خلال رفضه تسمية ما قام به العسكريون بالانقلاب، تبدو هزيلة قياسا الى الـ 12 مليار دولار التي وهبتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت الى الحكومة المؤقتة بعد أيام وحسب من توليها السلطة.

هناك نظرية تقول إن التوصل الى اتفاق سلام في الشرق الأوسط يمكن أن يرمم صورة الولايات المتحدة. ولكن، حتى ولو كان ذلك صحيحا، وأن واشنطن ترغب في الاستفادة من محادثات السلام لاستعادة بعض من صدقيتها، فأين المشكلة؟ ففي نهاية الأمر، المهم هو أن يوقع الفلسطينيون والإسرائيليون على وثيقة اتفاقية السلام ويضعوا حدا لسنوات من الكراهية والاحتلال والظلم.

يضاف الى ذلك أنه حتى لو كان الموقف الأميركي في سوريا ومصر ملتبسا وغير شعبي، فإن ذلك لا يعني أنه لا يحق للولايات المتحدة التدخل في مناطق أخرى، حيث يمكنها المساهمة في تحقيق تقدم.

فمما لا شك فيه هو أن الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني هو المجال الذي تمتلك فيه الولايات المتحدة أكبر وأوسع خبرة، فالأميركيون كانوا أول دولة اعترفت بإسرائيل في عام 1948 في موازاة سعيها الى إيجاد حل للنزاع. ومنذ ذلك التاريخ قامت الولايات المتحدة برعاية العديد من جولات المفاوضات من دون تحقيق السلام، رغم اقترابها من تحقيق ذلك أكثر من مرة.

يرى البعض أنه يمكن لإسرائيل أن تنضم الى محادثات السلام بهدف إضاعة الوقت، بدليل التصريحات الأخيرة للقائد السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عاموس يلدين والتي لا تبعث على التفاؤل.

فقد قال يلدين لمجموعة من المراسلين الأجانب في شهر شباط/فبراير الماضي "علينا أن نقدم اقتراحا للفلسطينيين، اقتراح مناسب، اقتراح منصف. إذا قبلوا به يكون ذلك في مصلحة السلام، وإذا رفضوا – كما نعتقد أنهم سيفعلون – فإننا سنفوز في لعبة الملامة ويمكننا بالتالي أن نستمر في رسم حدودنا كما يحلو لنا من دون ان نضطر الى انتظار موافقة الفلسطينيين".

ومع ذلك، فإن هناك فريقا ضمن القيادة السياسية والمجتمع الإسرائيلي يرغب فعلا في تحقيق السلام . ويجدون ان الوقت مناسب لتحقيق ذلك بسبب عدم الاستقرار في العالم العربي، وما نجم عنه من انشغال الحلفاء التقليديين للفلسطينيين بمشاكلهم الخاصة. لكن المرحلة تتسم بالضبابية حتى لإسرائيل نفسها بسبب التغيير السريع في محيطها منذ عام 2011، ويبدو أن إسرائيل أدركت أن الفلسطينيين هم بالنسبة إليها "العدو الذي يعرفونه".

كما أنه من المفيد لإسرائيل أن توقع على اتفاقية سلام مع الفلسطينيين في زمن تغيير تحالفاتها في المنطقة.

لكن التطرف اليميني والميل الى المحافظين يمكن أن يعود بالفائدة على نتانياهو على المستوى الداخلي. فتحالفه مع حزب "إسرائيل بيتنا" الديني المتطرف تم لضرورات سياسية، والمجتمع الإسرائيلي في غالبيته لم يعد مهتما بحل سلمي نهائي لأنه يرى أن الاحتلال العسكري يمكن أن يستمر الى ما لا نهاية. لكن استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه يمكن أن يشكل كارثة بالنسبة إلى صورة نتانياهو في المحافل الدولية. صحيح أن تلازم التوقيت بين الإعلان عن محادثات السلام والعقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على منتجات المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية قد يكون مجرد صدفة، الا ان العقوبات مؤشر إلى تغير اتجاه الريح بالنسبة الى الرأي العام الدولي تجاه إسرائيل. ربما سيذهب الاسرائيليون الى المفاوضات بنية كسب الوقت، لكن المجتمع الدولي بدأ يفقد صبره ولن يترك الأمور على غاربها.

أضف الى ذلك أن العديد من الأمور في المنطقة ما زالت عالقة بسبب القضية الفلسطينية، وهذا ما يجعل توقيت المفاوضات أمرا مناسبا للجميع. فالقضية الفلسطينية غالبا ما يتم استغلالها من جانب قادة عرب مثل بشار الأسد الذين يتحدثون باستمرار عن مؤامرة إسرائيلية أميركية للتعمية عن إخفاقاتهم. لذلك فإن ايجاد حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مدعوما بالتزام اميركي، يمكن ان يشكل عامل استقرار في المنطقة.

وبالطبع فإنه من السابق لأوانه استباق النتائج، ومع احترام انتقادات المشككين الا انه لا بد من الإقرار بأن الرفض المسبق لن يفيد في شيء، وأنه إذا تسنى أن يصبح بصيص الأمل المتاح للنجاح أمرا واقعا، فإن كثيرين سيقولون إنهم كانوا متأكدين من حدوثه. ولكن، كما يقول جورج ميتشل، عراب اتفاقية السلام في إيرلندا الشمالية (ومبعوث السلام الأميركي السابق للمنطقة)، فإن طريق السلام هو بطبيعته مسار لا يمكن التنبؤ به.

وهو يقول: "قبل أن يتحقق (السلام)، لا يمكن التأكد مما سيحدث.... لا يمكن اعتبار الـ "لا" جوابا نهائيا... يجب ان تستمر في سلوك الطريق إلى أن يتحقق السلام".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.