إخاء.. وأشقاء
دول الخليج العربي، كما يراها البعض من العرب وغيرهم، نفط وسباق هجن ومجتمعات مترفة استهلاكية ولعنة الصدفة الجغرافية جعلتهم يتصرفون بعقلية شيخ القبيلة، لا أبجديات العلاقات الدولية التي تتسم بالعقلانية والحس الحضاري بإدارة السياسات والحوارات لتبنى عليها المواقف، والفعل الإنساني..
هذه الآراء سمعناها وقرأناها، وشاهدنا من يروجون لها، لكن يبدو أن هذه المعايير، وإن لم تتغير موازينها، فهي على أقل تقدير، بدأت تأخذ بنوع من التقويم الواقعي، وأن أفضلية التاريخ والجغرافيا، وأسبقية التعليم والثقافة، ليست الحكم المطلق على نجاح وفشل أي دولة أن تخرج من عتمتها إلى النور طالما تتيح لها الظروف الأسباب لتجني منها النتائج..
هذه الدول التي تفجر فيها النفط ليست بدون قائمة من الانجازات التاريخية ومع ذلك فهي لا تبني علاقاتها على سجل الماضي، وإنما على مستوى مفهوم الأسرة العربية الواحدة، والوطن، والمصير، والوجود الواحد، وحتى في أقصى الخلافات العربية شهدنا كيف وقفت لتعزز المواقف العربية بحروبها وسلمها، لأنها المنشأ الحقيقي للجذر العربي وهو ليس مبدأ الكبرياء والتعالي، وإنما الشعور بحقيقة الأهداف الواحدة..
أثناء الربيع العربي الجديد، ارتفعت بعض الأصوات بالتهم ونقل المعارك لدول الخليج، وهي التي لم تكن سبباً في فشل أو نجاح جميع الحكومات، لكن الترويج السياسي الأعمى الذي وزع لعناته على النفط ودوله الريعية وشبه الهامشية والتي آوت العديد من العاملين الأشقاء بروح المودة والاخاء، ليعودوا لبلادهم لنشر المجتمع الاستهلاكي، كما قيل لم تشك منها عمالة أخرى آسيوية وقارية عندما دورت تحويلات مغتربيها إلى عوائد كبيرة تصب في اقتصادها القومي، ولا أعرف كيف وصفها الاخوة تهمة وإدانة، هل هي رواسب الأيدلوجيات الاشتراكية وطروحاتها، أم جهل بالمنافع المتبادلة بين المواطنين العرب بدون استثناء؟
لسنا في حالة عتب أو حساب طالما نحن في الموقع الواحد من المسؤولية الأدبية والأخلاقية وتقاسم المهام الصعبة التي تواجهنا جميعاً، والتي تحتاج إلى تضامن جديد بأهداف وعقول تلتقي على وحدة الموقف، ورسم خطط المستقبل البعيد، وندرك أننا نقف على خط النار أمام جميع العقبات والمصاعب ليس بالمشاركة المعنوية وإنما بالفعل الحقيقي..
الأشهر الماضية دخلت المنطقة العربية مواجهات من داخلها وخارجها ولأن المواقف من بعضنا ظلت حساسة تنقصها الثقة لتراكم الأخطاء وعدم المكاشفة الحقيقية أمام الشراك الذي نصب لنا، تحركت دول الخليج بما تعتبره واجبها أمام كل الدول العربية، فحاولت دبلوماسياً حصر الخلافات بحدودها الدنيا سواء على المستوى العربي، أو الخارجي، ومع ذلك كان التشكيك أو فرض حسن النوايا، لكن صدق الموقف أبرز حقيقة فك الارتباط بين الواجب المسؤول، والتحرك المباشر والسريع وبين من لازال يعيش عقدة المؤامرة، وقد نجحت في اليمن باطفاء أخطر الحرائق، وحاولت مع أطراف أخرى، مقدمة دعماً مادياً سخياً، وتسهيلات أخرى، ودون أن تربط ذلك بأي شروط، لأن الموقف يستدعي التضامن المباشر..
هذه الدبلوماسية الهادئة، هي التي أعطت دول الخليج العربي بعداً خاصاً في ترجمة القول إلى الفعل بمرحلة تعد التحدي الأخطر على الأمن السياسي والاقتصادي، وتباطؤ الدعم الخارجي الذي طالما ربطه بتنازلات ونظم قد يؤديان إلى عكس المكسب إلى خسارة والتدخل من أي قوة دولية يقودنا أن لا يكون بميزان ما تقدمه دول شقيقة تشعر بتلازم الأهداف العليا للأمن القومي وتجنب المنطقة الاملاءات والشروط التي طالما كانت ثقلاً على أكتاف المواطن العربي طوال السنوات الماضية..
*نقلاً عن "الرياض"