.
.
.
.

حل التنظيم الدولي قبل أي خطوة

عادل درويش

نشر في: آخر تحديث:

استثمار واشنطن 58 مليار دولار دعما على مدار 33 عاما في مصر في طريقه إلى أدراج الرياح، بسبب سوء تقدير الأميركيين وإغضابهم أغلبية المصريين بإدارة ساستهم أزمة تعقدها تغطية غير متوازنة من الشبكات العالمية، خاصة الـ«بي بي سي» (وبقية التيار اليساري في صحافة بريطانيا)، والـ«سي إن إن» الأميركية.

هذه المؤسسات الصحافية ومنظمات حقوق الإنسان (باستثناء تقرير يتيم لـ«هيومن رايتس ووتش») تتجاهل قصتين يسيل لهما لعاب أي صحافي محترف؛ الأولى استغلال الأطفال (مناقضا للقوانين، والصحة العامة والأخلاق) - ومعظمهم دون العاشرة غير قادرين عقليا على الاختيار الحر - من جانب الإخوان بإبقائهم في جو غير صحي في أوقات متأخرة من الليل في اعتصام إشارة مرور رابعة العدوية.

فيديوهات (يتفاخر بها الإخوان) همجية كحمل الأطفال لأكفان الشهادة، أو دفع مشعوذ رؤوسهم على الرصيف لشم بقعة دم إنساني.

يتجاهل زملاؤنا في الـ«بي بي سي» والـ«سي إن إن» مشاهد يدركون أنها لو حدثت في أميركا أو بريطانيا، فلن تكون فقط خبر الصفحة الأولى بل ستلجأ إدارات الشؤون الاجتماعية للقضاء لمنحها حق حضانة هؤلاء الأطفال وحرمان الأبوين من الاتصال بهما إلا في حضرة المتخصص الاجتماعي، والزج في السجن بمن دفع وجه الطفل إلى بقعة الدم. هل الطفل المصري من سلالة أدنى من نظيره الأميركي لتجاهل القصة؟

الثانية أن إصابة شخص واحد في مظاهرة مأساة تستحق التغطية، لكنها تبقى حادثة غير مقصودة، إلا أن الأعمال الإرهابية في سيناء ليست مصادفة بل مقصودة ومخطط لها عمدا ولوقت طويل، فلماذا لم نشاهد أو نسمع في الـ«بي بي سي» والـ«سي إن إن» تغطية لأي منها؟ هناك تسجيلات لزعماء الإخوان بأنها ستتوقف فور الاستجابة لمطلبهم بعودة محمد مرسي للرئاسة، ألا يثير ذلك فضول أي صحافي عادي لاكتشاف هل هي مصادفة أم هناك ارتباط تنظيمي؟ ألا يجعل تصادف إرهاب سيناء مع إغلاق بريطانيا وأميركا بعض سفاراتهما خشية الإرهاب الخبر موضع اهتمام المشاهدين؟ وخاصة أن الشبكات تكرر بث أن المخابرات تتوقع هجمات إرهابية بعد التنصت على مكالمات زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري الذي أصدر تعليمات بتأييد الإخوان (وهو أصلا من الجماعة) و«شرعية الرئيس» مرسي وإعلان الجهاد لنصرتهما في مصر.

وأذكّر القراء بما تسرب من خطة بحثها التنظيم الدولي للإخوان في مؤتمر سري في تركيا تتلخص في الاعتداء على المسيحيين وافتعال اشتباكات مسلحة عن طريق تنظيمهم السري مع القوى السياسية المصرية فيضطر الأمن، وربما الجيش، للتدخل لحماية المواطنين والمنشآت، وتنشط قنوات تلفزيونية عربية وتركية مؤيدة للإخوان في معركة البروباغندا ثم يستنجد الإخوان - عبر التنظيم الدولي بعلاقاته الوثيقة بالمخابرات الغربية - طالبين تدخلا دوليا بقيادة أميركا لتدمير الجيش المصري.

المصريون معذورون بضعف جهاز العلاقات العامة عن مواجهة مراسلين لا يحترمون شرف المهنة، لكن ما العذر في دبلوماسية السماح لأي كان بالتعاطي في شؤون مصر، كالسيناتور ماكين والسيناتور غراهام، ووفد مجلسي العموم واللوردات البريطانيين، ونواب اسكوتلندا وآيرلندا، من قبل نشطاء حركة حماس الغزاوية من لندن حتى إشارة رابعة العدوية مرورا بمكتب وزير الخارجية المصري؟

الحكومة المصرية تريد إفشال خطة التنظيم الدولي بالصبر على الإخوان علهم يعودون إلى رشدهم، مع وجود مئات الأطفال والنساء كدروع بشرية في رابعة والنهضة، لكن الاستمرار في السماح لشخصيات بالتدخل - بلا شروط مسبقة وبلا إشراف حكومي مصري على أي مقابلة - بزيارة مرسي وزعماء الإخوان (المحتجزين رهن التحقيق في قضايا جنائية قانونية) منحهم فرصة الادعاء المغالط بأن المتهمين «معتقلون سياسيون» يجب الإفراج عنهم لـ«تسوية سياسية» - لاحظ أن settlement (التسوية) ترتبط في الأذهان بقضايا القانون الدولي كاحتلال إسرائيل للجولان أو الصين للتبت - وهذا يشجع السياسة الأميركية والبريطانية – الأوروبية على إعطاء الإخوان انطباعا خاطئا بأن الضغوط الدولية قادرة على إعادتهم ومرسيهم إلى الحكم وهو ما لا ولن يقبله السواد الأعظم من المصريين. هذا يزيد من تعنت الإخوان، وإطالة معاناة الأطفال في الاعتصام وفرصة الإرهابيين في إراقة المزيد من الدماء في سيناء. فليكف المصريون عن ترديد عبارة «وساطة دولية».. فالإخوان ليسوا طرفا ندا للدولة أو للأمة المصرية (80 في المائة من المصريين). التشبيه الأقرب لاعتصامي رابعة والنهضة تجده في الأفلام البوليسية: خارج على القانون حاصرته الشرطة فوق السطوح. «الوساطة» هنا لشخص حكيم لإقناعه بتسليم نفسه بدلا من النهاية الانتحارية بفتح النار على البوليس (وقد يصاب جيران أبرياء وتتلف ممتلكاتهم). ولتضع حكومة الدكتور الببلاوي شرطا لا مناقشة فيه لأي تدخل أو «وساطة»، خاصة أميركية أو بريطانية: الحل الفوري للتنظيم الدولي للإخوان (وإدراجه على قائمة الإرهاب لأنه أخطبوط أذرعته «القاعدة» وطالبان و«بوكو حرام»، وحركات مالي وبقية خلايا الإرهاب حول العالم) قبل أن يطأ أي مبعوث أرض مصر. هذا سيثبت حسن نية الأطراف، خاصة إدارة الرئيس أوباما، والحكومة البريطانية التي يعمل قسم فيها بأقصى الجهود على إعادة الإخوان للحكم في مصر، أو على الأقل وضع قدمهم في الباب قبل أن يغلق، حيث تسرب لندن وواشنطن وبروكسل (حيث مكاتب اتصال التنظيم الدولي بالمخابرات) أخبارا عن مقايضة فض الاعتصام بخروج آمن لمرسي وحقائب وزارية للإخوان. فمصر اليوم يا سادة لا تواجه الجناح المتشدد لجماعة الإخوان المصرية وتنظيمها السري (بتاريخه الإرهابي من قنابل وتفجيرات واغتيالات وحرق القاهرة 1952) فقط وإنما التنظيم الدولي للإخوان مدعوما من شبكة مصالح دولية بأبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية كتجارة سلاح وجاسوسية. ومثل حلف بغداد في الخمسينات كاستراتيجية الحرب الباردة لمواجهة النفوذ السوفياتي جنوب المتوسط والهلال الخصيب والخليج، فإن استراتيجية لندن - واشنطن - بروكسل للقرن الـ21 لاحتواء المد الإيراني الشيعي كانت حلف التنظيم الدولي بحكومات إخوان (بأسماء متعددة) محور أنقرة - القاهرة - طرابلس – تونس، وهو وراء إصرار لندن - واشنطن على دعم الإخوان كنموذج تركي إسلامي «معتدل».

بعد أن أحبطت ثورة الأمة (30 يونيو/ حزيران وملحقها 26 يوليو/ تموز) المخطط، فعلى حكومة الببلاوي الوطنية اليوم أن تنتبه لمحاولة الالتفاف على إرادة الشعب وإدخال حصان طروادة (وفي بطنه جواسيس الجماعة) إلى الحصن المصري.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.