كلهم فى النار..!!

وحيد حامد

نشر في: آخر تحديث:

قلتم للناس اخرجوا..

وخرج أهل مصر فى جحافل وحشود ثائرة، تلبية للنداء وأملاً فى الخلاص من جماعة فاشية جاهلة وغبية وعميلة لا تعترف بالوطن ولا تؤمن إلا بنفسها، جلست على عرش مصر لمدة عام فكان العام الأسوأ فى تاريخ مصر كله، انكسر الوطن وكادت هويته تضيع وأرضه يتم التنازل عنها وتقدم للآخرين على سبيل الهدية.. بعد أن أصبح الجاسوس حاكماً، وأنصاف المتعلمين وضعاف العقول والذين فى قلوبهم مرض هم القائمين على إدارة شؤون البلاد.

كان الخروج كاسحاً وعظيماً «يسد عين الشمس» كما نقول فى أحاديثنا اليومية.. هذه الموجات الهادرة من البشر لم تخرج للنزهة وإنما خرجت لتغيير واقع مر وأليم ولتنقذ الوطن من الدمار والعار وتحميه من الذئاب والضباع التى تحيط به من كل جانب بقصد افتراسه.. ولكن فجأة سقطت كتل الجليد بكثافة فائقة لتحول نار الثورة على طغيان لا يرحم.. وفساد وقح.. واستبداد مطلق إلى نار هادئة قد تصلح للتدفئة أو تسخين الطعام.

ويبدو أننا «أى جميعنا» ودون أى استثناء لا نتعلم من الأخطاء ولا نستوعب أى دروس، ونسينا أن هوان المجلس العسكرى وخوفه وانكساره بعد ثورة يناير هى التى مكنت الجماعة من السطو على الثورة.. والآن يحدث الشىء نفسه وهذه المرة من الجميع، وكأن مصر مكتوب عليها أن تبتلى بأناس فقدوا الصلاحية وانتهى عمرهم الافتراضى.. وليست لديهم أى قدرة على الفعل أو حتى اتخاذ القرار.. مصر الآن تحكمها إدارة واهنة وهشة لا يمكن لها أن تنقذ وطناً تحيط به المخاطر من كل جانب.. ومن المضحك أننا أمام ثورة قام بها الشباب ويقضى عليها عواجيز الفرح.

الثابت والصحيح والموثق أن جماعة الإخوان هى فى الأصل فكرة استعمارية عملت إنجلترا على تنفيذها ومنحتها الرعاية والحماية بقصد شق الصف وحدوث انقسام يمنع توحد الأمة ويزرع بذور الخلاف الدينى والمذهبى وأيضاً السياسى ليكون الهدف النهائى أن تظل مصر المحروسة ضعيفة وممزقة، وتظل تابعة ومستكينة وتعمل على خدمة الاحتلال.. وهكذا نشأت الجماعة، واستمرار وجودها كان مرهوناً بحماية المستعمر لها الذى أحكم سيطرته على الوطن بفعل خدماتها.. ولم يكن الأمر مقصوراً على ذلك وإنما كانت هناك أهداف أخطر وأكبر وهى تكبيل مصر بسلاسل حديدية حتى لا تعرف النمو أو التطور وتخضع خضوعاً كاملاً للفكر الدينى الصحراوى الذى يرفض أى تطور حضارى بما فى ذلك العلم نفسه، وذلك ما كان يريده الغرب لمصر.. وعليه فأنا أعجب أشد العجب من الذين يرون فى مساندة أوروبا وأمريكا للجماعة والدفاع عنها أمراً غريباً.. الجماعة هى الابنة غير الشرعية والفاسقة التى أنجبها الاحتلال الإنجليزى ليتزوجها الاستعمار الأمريكى الذى ورث الاستعمار الإنجليزى، وصارت إنجلترا هى الوصيفة.. ولا يغيب عن ذهن أى مجتهد أن الخروج الكاسح للشعب المصرى وإقصاء الإخوان كان الضربة القاضية للمؤامرة الأمريكية على الوطن العربى كله لا على مصر وحدها.. وعليه فإن الهزيمة لم تكن للجماعة وحدها وإنما أصابت الرعاة الداعمين لها الذين انهارت كل خططهم العدوانية تجاه شعب مصر وغالبية الشعوب العربية، وبالتالى فإن ما نراه من الغرب ليس بالأمر الغريب أو المستبعد..!!

ولكن الغريب جداً.. والمحزن حقاً.. هو موقف فريق من المصريين أنفسهم هم إما من رجال السياسة أو من الذين يطلق عليهم النخبة، والذين يمسكون بالعصا من المنتصف دائماً وأبداً.. وبعضهم داخل الإدارة التى تتولى أمور البلاد الآن.. هذا الفريق الذى يردد فى أقوال ناعمة وملساء أن تكون هناك مصالحة مع الجماعة.. وكأن الجماعة قد أصبحت نداً قوياً لغالبية الشعب المصرى.. ودعونى أفترض جدلاً أن هذه الجماعة هى هكذا فعلاً، ألا يعد ذلك انقساماً علنياً ومعترفاً به للشعب المصرى..؟؟ ثم مصالحة على ماذا؟! جماعة تمكنت من الوطن لمدة عام بالباطل والقهر فصنعت بالشعب ما صنعت ونفذت مخططاتها بفرض الأمر الواقع عنوة، واستعملت كل الأساليب القذرة: دستور استبدادى يترك الأبواب مفتوحة أمام الطائفية والانقسام ويتجاهل الحقوق الإنسانية للمواطن.. فساد مالى وإدارى.. إجراءات انتقامية ضد جميع الفئات.. أخونة الدولة والعمل على طمس هويتها المصرية.. ضرب القضاء فوق أم رأسه.. الهبوط بمصر إلى السفح سياسياً واقتصادياً وإنسانياً.. بالإضافة إلى حبس الحريات وقتل الأبرياء.. بعد هذا كله طل علينا من يقول مصالحة.. بينما العدل يفرض علينا أن نقول محاكمة وليس مصالحة.

ولكن ماذا نقول فى شأن أناس أتعبنا التفكير ونحن نتابع أفعالهم وأقوالهم وغرابة أمورهم، ودعونى أصنف هؤلاء أولاً.. منهم المصرى الذى تم تهجينه، بحيث يكون مصرى الجنسية، ولكن انتماءه لمصر ليس بشكل كامل، انتماء منقوص بحكم الإقامة بالخارج التى وجدت فى نفوسهم رغبة واستحسان الأمر الذى يدفعهم إلى اتخاذ مواقف مائعة ومحبطة لا أقول إنها تُملى عليهم ولكنهم يفعلون ذلك تطوعاً حتى لا يخسروا مكانتهم فى هذه الدول التى احتضنتهم وأثرت فيهم بثقافتها وسياستها.. هؤلاء الذين نزلوا مصر بعد الثورة مباشرة ليفرضوا أنفسهم علينا كساسة ومفكرين ومنظرين، وهم الذين صنعوا الحيرة والبلبلة بما لديهم من قدرة فائقة على الظهور الإعلامى المكثف، أيضاً قبيلة الضباع التى ترقب وتنتظر بقايا أى فريسة حتى تنقض عليها وهى تهب نفسها لمن يفوز، ولكنها لا تراهن من يكون الفائز حتى لا تخسر، هى لا تريد لمصر أى شىء، ولكنها تريد أى قضمة من لحمها تشبع بها جوعها، ولا فرق أن تكون مصر دولة مدنية أو دولة دينية، هم جاهزون للأولى، وجاهزون للثانية، ولديهم الأدوات اللازمة لكل منهما، وعليه فإنهم يغازلون جميع الأطراف، هؤلاء الذين ينادون بالدولة «المدنية الإسلامية» دون أن يوضحوا لنا هوية هذه الدولة والأسس التى تقوم عليها هذه الدولة!!

ثم نأتى إلى رواد مقهى المعاشات الذين أصابهم الوهن وهم الانهزاميون بالفطرة والطبيعة، هؤلاء الذين يعالجون الجراح بوضع التراب عليها، مثلهم مثل شيوخ القبائل التى لا تريد قتالاً حتى تنعم بالسلام، فتكون النتيجة هى تحول القبيلة إلى «ركوبة» يمتطيها الجميع وتعيش السلام الزائف وكأنها بقرة يتم علفها وتسمينها حتى تأتى لحظة الذبح، وأخيراً وليس آخراً الطابور الخامس، الخلايا النائمة، الذئاب التى ترتدى جلد الحملان، والكل يعلم أن الجماعة دربت وزرعت منهم الكثير فى جسد الأمة بكاملها، صحيح أن هناك من كُشف أمره لكن الذين مازالوا يعملون فى الخفاء حتى هذه اللحظة لا يستهان بأمرهم، كل هؤلاء كأنهم السوس فى صومعة القمح، وجميعهم يجب التصدى لهم بنفس القوة الواجبة لدفع الأذى عن شعب مصر.

والغريب جداً ولا يقبله العقل، ما تفعله الإدارة التى تحكم مصر الآن، إنها تؤكد وتكاد تقسم بالطلاق ثلاثة أن مرسى لن يعود، وكأن مرسى هو الإمام المنتظر، والرجل واحد من قيادات الإخوان، تربى على السمع والطاعة، وتمت برمجته وحشوه تماماً بفكر الجماعة، وتم الدفع به ليكون رئيساً لمصر دون النظر إلى إمكانياته الهزيلة والتى يعلمها المرشد وأعضاء مكتب الإرشاد، ولكنه أصلح من يسمع ويطيع وينفذ، وعليه ليس مهماً أن يكون مرسى هو الرئيس أو حتى صبحى صالح، أو حتى عصام العريان، ولكننا لم نسمع من الإدارة الحاكمة وعداً وقراراً بأن الجماعة لن تعود، وإن عادت فلا يمكن أن تعود بالشكل الذى كانت عليه، فهى جماعة تم حلها، وأى وجود لها غير قانونى، ثم إنها جماعة مخربة ومتآمرة.. الجماعة التى خرجت مناهضة لإرادة الشعب عندما هتف «الشعب مع النحاس» فهتفت الجماعة «الله مع الملك».. الجماعة التى اغتالت القاضى أحمد الخازندار.. وفجرت المحال والشوارع وحرقت الأقسام.. وقتلت النقراشى وأيضاً اغتالت رجالها الأقوياء وعلى رأسهم قائد التنظيم السرى الذى تولى الأمور بعد عزل عبدالرحمن السندى.. وهم الذين خططوا لنسف القناطر الخيرية، وهم الذين أفرخوا كل الجماعات الإرهابية سواء فى مصر أو خارجها.. وهم الذين حاولوا قتل عبدالناصر.. وتآمروا على مصر وتعاونوا مع أعدائها علناً وفى الخفاء.. والثابت والمؤكد أنهم توحشوا فى عهد مبارك وكانت فترة حكمه هى أزهى عصور الجماعة، حيث عملت على توسيع رقعتها وفرض إرادتها وتدريب وتسليح كوادرها فى ظل الاتفاق غير المعلن بين الجماعة وبين النظام، بأن يكون لكل واحد منهما حصة ويحصل كلاهما على الرضا، وكأن مصر غرفة فى فندق علق على بابها «يرجى عدم الإزعاج».. ولم تكن الجماعة بالهطل الذى كان يعيشه نظام مبارك.. فى الخفاء تجهزت واستقوت وأحسنت تدبير أمورها.. والسؤال الحتمى للمصريين كافة.. من منكم يقدر على السكن فى بيت تسكنه أفعى؟؟ هل يأمن على نفسه أو عياله؟؟

والمؤسف.. بل المحبط هو ما يطلق عليه القوى السياسية والتى تتكون من عدة أحزاب تحدث ضجة بلا طحن بين الحين والآخر وهى ضجة إعلامية تتواجد على شاشات التليفزيون وصفحات الجرائد فقط لا غير.. قوى سياسية ليس لها وجود حقيقى فى الشارع المصرى ولا تسعى لأن يكون لها وجود، وأغلب قياداتها عشاق سلطة، حتى لو كانت هزيلة.. هذه الأحزاب ظاهرة صوتية وليست لديها قدرة على أى فعل.. هذه القوى السياسية تلتزم الصمت وكأنها تعمل بحكمة القرود «لا أسمع.. لا أرى.. لا أتكلم»، وهم فى غاية الحذر والحيطة عندما يتحدثون عن الجماعة ولا أحد يدين أفعالها الإجرامية صراحة.. والجدير بالذكر أن نظام مبارك بكامله تم فضحه والكشف عن جرائمه، حتى إنه أضيفت إليه جرائم لم يرتكبها وهذه القوى السياسية تهلل وترحب.. والآن جرائم الإخوان علنية ولا أحد يفتح فمه.. قتل وتعذيب وترويع وقطع طرق وتخريب منشآت.. والكل يتمسك بحكمة القرود.. يده اليمنى مع الإخوان ويده اليسرى مع الثورة.. وعلى رأس هؤلاء الحالمون الواهمون بالجلوس على مقعد الرئيس الذين يسعون بكل جهدهم إلى إرضاء جميع الأطراف.. والأمانة تقتضى المصارحة التى سوف تغضب السادة الرؤساء المحتملين وخاصة الذين خاضوا المعركة الرئاسية الأولى.. بلاش أحسن.. الناس غير الناس.. الشعب تغير وتبدل واسترد وعيه وعافيته ومصريته وأنتم كما كنتم ومازلتم، وجميعكم أوراق محروقة وليس فيكم من يصلح، فلا تدخلوا كسماسرة المزادات الذين يريدون الصفقة لأسيادهم أو يفسدونها.. والأمانة تقتضى الكشف عن هذه الحكومة التى تتولى أمور البلاد الآن.. هذه الحكومة أظهرت ضعفها وهوانها من أول لحظة، حتى وهى فى طور التشكيل عندما رضخت لابتزاز حزب النور وتهديداته، الأمر الذى أبعد وزراء لم يرض عنهم الحزب المذكور.. وزارة منذ أول لحظة تنكمش أمام كل من يقول لها بخ.. وغاب عن هذه الوزارة - التى كانت تريد الاستقواء على الإخوان بحزب النور فانحنت أمامه - أن هذا الحزب مع الأحزاب السلفية الأخرى هم أكبر داعم لجماعة الإخوان وإن أظهروا غير ذلك.. والغالبية الموجودة داخل اعتصام رابعة هم من التيارات السلفية على اختلاف أنواعها.. والتيار السلفى يبتز الحكومة الواهنة لصالح الجماعة.. ولا أجد غضاضة فى القول بأن التيار الدينى المتشدد كله مع الإخوان قلباً وقالباً.. وإذا كان هذا حال الحكومة فحال الرجل الذى يحتل موقع نائب الرئيس وهو الدكتور البرادعى يتفوق كثيراً على حال الحكومة.. بداية إننى استمعت إلى سيدة اتهمت البرادعى علنا من خلال مداخلة تليفزيونية بأنه خلية إخوانية نائمة، وقال لى صديق أثق فى رأيه إن البرادعى يلعب لحسابه الشخصى وكل ما يريده هو كسب رضاء الغرب حتى يحصل على أى منصب دولى رفيع.. وقد يكون البرادعى هذا وذاك أو يكون بريئاً من هذا وذاك.. ولكن الرجل حسبما نرى خالف أبسط قواعد العدل والصواب والحكمة التى يحاول أن يكسو نفسه بها.. فهو يتحدث عن حرمة الدماء.. ويناهض القتل وسقوط الضحايا ونحن معه فى هذا كله ونستطيع أن نزيد عليه.. ولكن أيها الرجل الحكيم لم نر منك رفضاً أو حتى استنكاراً واضحاً فيه إدانة لعمليات القتل اليومى والدماء التى تسيل على أرض سيناء بواسطة الإرهابيين من الجماعة وشركائهم من تنظيم القاعدة وفلول الجماعات الإسلامية الوافدة من باكستان وأفغانستان والشيشان والهاربين من السجون والذين دخلوا سيناء بأمر من السيد مرسى.

لماذا تهمك دماء.. ولا تهمك دماء.. يا رجل اتق الله فى شعبك وفى نفسك واسأل ربك حسن الختام.. وتبقى لدىّ جملة أخيرة أتوجه بها إلى الفريق عبدالفتاح السيسى.. قدرك أيها الرجل أن تكون بطلاً.. أو شهيداً.. وأنت الذى أقسم على النصر أو الشهادة.

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.