.
.
.
.

أيتام «الإخوان» العرب

عمرو عبد الحميد

نشر في: آخر تحديث:

فى يوم 30 يونيو التاريخى، فوجئت برسالة غريبة من صديق أحتفظ ومازلت نحوه بمودة منذ جمعنا العمل فى قناة شهيرة قبل سنوات. حملت السطور عبارة واحدة تعليقاً على تغريدة كتبتها على حسابى فى تويتر منتقداً حالة الإنكار التى بدا عليها الرئيس السابق محمد مرسى فى خطابه الأخير. كتب الزميل الذى يدير مكتب القناة الشهيرة فى بلد عربى شقيق عبارة واحدة: (لا تشرفنى صداقتك) !.. لم تطل دهشتى كثيراً، حيث حملت الأيام التالية ومازالت حتى اللحظة الراهنة انفعالات مشابهة وإن اختلفت حدتها بقدر ما أنعم الله على أصحابها من تفاوت فى درجة الأخونة!

لا يجادل أحد أن زلزال 30 يونيو لم يضرب جماعة الإخوان المسلمين فى مصر فقط، بل شمل التنظيم الدولى للجماعة وفروعه فى شتى بقاع العالم،

وعدا التداعيات السياسية، جاءت توابع هذا الزلزال قاسيةً على نفوس منتسبى الجماعة ومحبيها فى البلدان العربية، ما يجعل ردود فعلهم بعيدة عن قواعد المنطق أحيانا، وخارج حدود اللياقة أحيانا أكثر، وفى متابعة المشهد لا يملك المرء سوى الشفقة على كل واحد من هؤلاء الذين استحقوا جراء بكائهم وعويلهم وصراخهم المتواصل لقب أيتام الإخوان العرب!

جيَّش هؤلاء أنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعى مبكراً، للتشكيك فى استجابة الشعب المصرى لدعوة حركة (تمرد) الخروج إلى الشوارع والميادين للمطالبة بعزل مرسى. تعاملوا مع الأمر بسخرية بالغة، وحين صدمهم مشهد عشرات الملايين فى شتى أنحاء البلاد، وانحياز الجيش إلى جانب شعبه، انتابهم التوتر فبدأوا إشعال نار الفتة ببث أخبار كاذبة عن انشقاقات فى الجيش، وعندما أعلن الفريق أول عبدالفتاح السيسى الاستجابة لمطلب الشعب تحول توترهم إلى نوع من الهستيريا الشديدة، جعلتهم يشككون فى أعداد الذين خرجوا يوم 30 يونيو ويجتهدون فى اعتبارها (فوتوشوب وحيلاً سينمائية) حتى أتاهم 26 يوليو بخروج أكبر لملايين المصريين الداعمين جيشهم بكل قوة.

غير أن درجة الهستيريا لدى هؤلاء بلغت أوجها يوم الأربعاء الماضى، حين لجأت الحكومة المصرية لفض اعتصامى رابعة والنهضة. بدا الأمر كعيد انتظروه طويلاً، ذرفوا على تويتر وفيس بوك أنهارا من دموع التماسيح، تباروا فى تقدير أعداد القتلى حتى جعلوها 2200 أما الجرحى فقدروهم بعشرات الآلاف!.. كان صراخهم كمداً على واقع جديد يقول بسقوط الحكم الإخوانى ونهاية حلم تأسيس(الولاية) المصرية، للانطلاق منها إلى إقامة دولة الخلافة المزعومة. هم يعلمون قدر مصر ووزنها فى مخططهم، فما كان حالهم سيصبح هكذا لو سقط نظام البشير فى السودان أو الغنوشى فى تونس!

ليس غريبا إذاً أن نواح الأيتام الإخوان العرب على تويتر وفيس بوك وصحفهم وقنواتهم موجه بنسبة 99% لتشويه ما يجرى فى مصر. نسوا الثورة السورية والقضية الفلسطينية وغيرها من ملفات كانوا نجومها المتألقة فى التعليقات والتحليلات، وتفرغوا لمعركة الدفاع عن جماعة أرادت دفن الدولة المصرية.لم نسمع صوتهم عندما هدد رموز الإرهاب فى حضرة الرئيس المصرى معارضيه، وألبوا علانيةً على مصريين من طوائف أخرى. سكتوا عن التغريد (النعيق) عندما نُفذت التهديدات وقُتل أربعة مواطنين على الهوية بعد تحريض واضح ومكشوف تحت سمع وبصر مرسى فى مسرحية (مؤتمر نصرة الشعب السورى). لعلهم يصلون الآن من أجل أن تنزلق مصر إلى طريق العراق فى أحلك أيامه، وربما يعيشون نشوة كبيرة مع كل اعتداء يستهدف الكنائس، ومع كل قطرة دم تراق فى سيناء تنفيذاً لتهديدات القيادى الإخوانى محمد البلتاجى، الذى قايض خروج مرسيه بهدوء سينائنا!

لم يخجلوا من التودد صراحة للغرب للتدخل، ولم يكن غريباً احتفاؤهم بتصريحات السيناتور الأمريكى جون ماكين التى وصف فيها ما جرى بالانقلاب، وهم الذين عارضوا الاستعانة بالأمريكيين لطرد صدام حسين من الكويت، واتهموا معارضيهم بالخيانة والاستقواء بالغرب، تماماً كما يفعل إخوانهم المصريين: يهددون كفار الداخل (الأقباط) ويطلبون العون من كفار الخارج!

ثمة من يشير - عن حق - إلى أن موقف أيتام الإخوان العرب يعبر عن خيبة أمل لدى دول لعبت دور الوصية على مصر حين جاء مرسى إلى سدة الحكم، ويبدو أن ما أنفقته تلك الدول من أموال طائلة يفسر الحملة الإعلامية الشرسة التى تشنها على قادة الجيش المصرى، الذين يخوضون معركة استرداد الوطن!

يعلم هؤلاء علم اليقين أن معركتهم خاسرة، لكنهم مستمرون فيها بقدر ما فى قلوبهم من حقد على الحداثة والمدنية والتقدم، وبقدر ما فى قلوبنا من ثقة فى أن هوية مصر لن تتغير، وأن الدولة باقية والتنظيم إلى زوال.

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.