.
.
.
.

الحق الدستوري في استخدام القوة

بديع يونس

نشر في: آخر تحديث:

ليس كل ما يُقال يُنشر.. وليس كل ما ينشر حقيقة

الانقسام الدولي بشأن الأزمة المصرية القائمة، وتدخـّل الجيش الأخير في فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة واضح.. لا صريح.

في الشكل، الموقف الغربي المندد بفض اعتصامي الإخوان مُبرَّر ومتوقع، خصوصاً أن الغرب (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وآخرون من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن) يقفون على المنابر دفاعاً عن الشعارات، ويستنكرون كل ما يتعارض مع الشِّرعات العالمية والأممية، أما في داخل الأروقة الدبلوماسية فالطبخات عديدة، والكلام مختلف، والمواقف كذلك، بحسب مصدر دبلوماسي في نيويورك.

ردود الفعل التي تظهر في شاشات التلفزيون إنما هي في معظم الأحيان تحمل "قـُطبات مخفيّة"، أبرزها يتعلق بابتكار "فعل" يولـد هكذا ردات عليه.

من هنا، لا عجب في تصريحات كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وتركيا وأستراليا، التي أدانت تصرف الجيش المصري، فيما حقيقة هذه التصريحات الظاهرة لا تمت إلى نياتهم الحقيقية بصلة، فهذه الدول كانت أكثر من أيدت (في مجالسها الخاصة - بحسب الدبلوماسي الأممي) قيام اعتصام الإخوان، لعلمها بأن لحظة فضّه سوف تأتي، وكانت في موازاة ذلك، أكثر من ضخّت معنويات في نفوس الجيش المصري، وعلى رأسه وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي، حول أهميتهما في المرحلة الحالية، لكن هذه الدول كانت تعلم بأن تصرفاً سيادياً سوف يبادر به الجيش لإنقاذ البلاد من شلل محتّم فرضه الانقسام الداخلي، وتجلـّى في تظاهرات واعتصامات بدأت ولم تنته، فيما البلاد على شفير هاوية حقيقية.

مواجهة الاعتصام إذاً كانت حتمية وضرورية بعد استنفاد الوسائل المتاحة، أما الشق السياسي الذي كان شرطاً للجماعة لفض اعتصاماتها لم يكن حلّه ممكناً في الشارع، فهكذا تجارب لا تُحلّ سوى بصناديق الاقتراع في الأنظمة الديمقراطية، ولا تُحل إلا بالحوار في الأنظمة التي تتطلع إلى "دمقرطة" نفسها. أما من جهة الغرب، الذي يستنكر اليوم فض الاعتصام عسكرياً، فهو نفسه الذي دعم الجيش ويدعم النظريات "الدستورية" والعلمية حول أهمية الأمن القومي واحتكار القوة، لكنه ارتأى هذه المرة لأسباب سياسية وحسابات إقليمية أن يقلب الطاولة، ويُعيد تحجيم الجيش المصري في مسعى منه لإضعاف "أم الدنيا" لعقود، من خلال إدخالها نفق الانقسام الطويل والصراع الدائم، وحقنها بفيروس يصعب إيجاد مضاد له، خصوصاً لدى شعوب "العالم الثالث" التي تفتقد ثقافة الديمقراطية.

هذه ليست بنظرية "المؤامرة" المتعارف عليها، إنما هي "السياسة الدولية" المتعارف عليها، فالأمور لم تكن بحاجة إلى تنجيم واستبصار كي يعلم المراقبون أن الإخوان لن يرضخوا لسقوط مرسي، وسوف يتواجهون مع الجيش وقوات الأمن اللذين من واجبهما الدستوري احتكار القوة واستخدامها في الداخل كما عند الحدود الجغرافية متى لزم ذلك، لفرض القوانين والحرص على احترامها، والإبقاء على هيبة المؤسسة العسكرية والدولة، لأن هذين متى ما تزعزعا يستحيل إعادتهما إلى سابق عهدهما لعقود قادمة، فالمؤسسة العسكرية قد نجحت خلال المطبات الأخيرة في تجاوز المحن رغم الأزمات الأخيرة، وذلك لكونها مؤسسة مستقلة، شأنها شأن القضاء المصري.

إذاً ومن باب التذكير سؤال يُطرح: أي من تلك الدول لم تكن لتتعاطى مع اعتصام سياسي – أمني – تهديمي بعكس رد الجيش المصري عليه؟! أنسيت تركيا ورئيس وزرائها كيف تم فض اعتصام جيزي بارك، لكن المفارقة هي في أن المعتصمين وقتها لم يواجهوا السلطات بالسلاح، على عكس جماعة الإخوان التي تُظهر فيديوهات نُشرت أخيراً تورطهم بحمل السلاح وقنابل المولوتوف لمواجهة الجيش والأمن المصريين، ومن هنا أعداد القتلى الكبيرة التي سقطت في فض الاعتصامين.

في أي حال، إنه المجتمع الدولي الذي قضى على جماعة الإخوان سياسياً بعدم اعتراضه على وصولها إلى السلطة قبل عام في مصر، حين احترقت ورقتها واختفى رمادها بعد أن فشلت في الحكم اليوم كما في المعارضة سابقاً. أما الموقف الأخير من الجيش المصري فهو لتحجيمه ومنعه من "نفخ ريشه"، فلا تبقى قوة عظمى في داخل مصر، وبذلك الضمانات أكبر في إحقاق رَسْم الشرق الأوسط الجديد الذي خطته أنامل رسّامي نيويورك.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.