.
.
.
.

"الإخوان المسلمون" ليسوا أصدقاء للديمقراطية

جون بولتون

نشر في: آخر تحديث:

تحركت قوات الأمن في مصر بشكل حاسم لإزالة مخيمات احتجاج الإخوان المسلمين في القاهرة متسببة في سفك دماء نجمت عن مواجهات يومية بين أنصار "الإخوان" والمعارضين إذ بعد ستة أسابيع على الإطاحة بالرئيس محمد مرسي, لا تزال مصر منقسمة على نفسها بعمق وعنف - والسياسة الأميركية مترددة وغير حاسمة.

لكن مع أن الارتباك أو التردد ليسا أمرا جديدا على إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، فإن هذا ليس المكان المناسب لترتبك فيه هذه الإدارة أو ترتكب أخطاء استراتيجية, يجب أن نحدد بالضبط ما أولويات الولايات المتحدة في ضوء أهمية مصر الاستراتيجية, وإمكانية ممارسة أعمال عدائية يطول أمدها هناك بين متقاتلين مسلحين.

من خلال تحديد مصالحنا, يمكننا أن نركز طاقاتنا ومواردنا على النهوض بهذه المصالح بطرق عملية, وتجنب المناقشات الأكاديمية حول قضايا لا يمكننا ان نؤثر فيها أساساً بشكل ملحوظ. وبسبب محدودية مواردنا, علينا أن نركز اهتمامنا ووقتنا السياسي وقدراتنا الأكثر واقعية على المكان الذي يمكن أن تعمل فيه هذه الإمكانات بشكل أفضل.

أولاً: استمرار التزام مصر باتفاقيات "كامب ديفيد" للسلام مع إسرائيل عام 1979 أمر ضروري, وكان قرار أنور السادات الشجاع بالتفاوض المباشر مع إسرائيل حاسماً, ليس فقط لاعتماد هذه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً, بل أيضا للتحول الكبير في مصر, بعد وفاة الديكتاتور جمال عبدالناصر, والابتعاد عن الاتحاد السوفياتي. وتغير ولاء السادات كان بمثابة ثغرة استخدمتها الولايات المتحدة لتقويض نفوذ موسكو الإقليمي الواسع, وكان مؤشراً مبكراً على أن الحرب الباردة كان يمكن كسبها تماماً.

في عام ,1981 اغتال الإخوان المسلمون السادات بسبب مشكلاته معهم, وهو ما يعكس أن جماعة "الإخوان" في ذلك الحين, كما هي الحال اليوم, ازدرت فقط القادة المصريين الذين يسعون إلى تحقيق السلام مع إسرائيل, ولو أن مرسي استمر فترة أطول قليلا في مكتب الرئاسة لكان من المرجح أن يلغي اتفاقيات "كامب ديفيد" تماماً. إن إلغاء تلك المعاهدة قد يقلص نفوذ الولايات المتحدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط, ويجدد الفرصة لمناهضة الولايات المتحدة ولمعاداة إسرائيل من متشددين, بالإضافة الى التهديدات التي تتعرض لها الأنظمة العربية الصديقة, والتي هي على استعداد للتعايش مع معاهدات السلام المصرية والأردنية مع إسرائيل. لا نخطئ في هذا, فإذا اعتبرت واشنطن معاهدة "كامب ديفيد" مفروغا منها فستختفي وبسرعة.

ثانيا: تدير مصر قناة السويس الحيوية اقتصاديا. وإذا حظر المرور كما حصل في أزمة قناة السويس في العام ,1956 أو بعد حرب الأيام الستة العام ,1967 فإن أوروبا وأميركا لابد أن تعانيان, وكذلك مصر ستعاني. إن سنوات عدم الاستقرار الداخلي بالفعل في شبه جزيرة سيناء وفرت ملاذا للإرهابيين ودمرت الاقتصاد المصري, من حيث الاستثمار الأجنبي وتراجعت إيرادات السياحة, وحتى يستعاد الاستقرار السياسي, فإن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد لابد أن يستمر في التآكل, ما يتسبب في إفقار المجتمع بأسره وزيادة في إضعاف التماسك الاجتماعي الضعيف أصلاً.

ما تحتاج واشنطن الى فعله واضح. سياسة الولايات المتحدة ينبغي أن تركز فقط على دعم القادة المصريين الملتزمين بشكل لا لبس فيه باتفاقية "كامب ديفيد" نظراً إلى ظروفها وأهميتها الإقليمية الأوسع على حد سواء. ويجب علينا مساعدة أولئك الذين يضعون أولوية قصوى لإصلاح الاقتصاد المصري الضعيف بشدة, وتأمين الالتزامات الاقتصادية الدولية ولاسيما المرور الآمن عبر قناة السويس.

الجيش في مصر والعناصر "المؤيدة للديمقراطية" يدعمان "كامب ديفيد", في حين لا يفعل "الإخوان" ذلك. فليس هناك, وفقاً لهذا, أي سبب يدعونا لمناصرة جماعة الإخوان المسلمين بما في ذلك ضمن "تحالف" حكومي, بصراحة, أو حتى الترحيب بهم في العملية السياسية على الإطلاق.

بعد الحرب العالمية الثانية, ناضلنا بلا هواجس للحؤول دون فوز الأحزاب الشيوعية في الانتخابات الأوروبية الغربية, وهناك كل ما يدعو الى تأدية الدور نفسه هنا. وهذا يعني الإبقاء على تدفق المساعدات للجيش المصري, والتي جذبت منذ العام 1979 قيادة هذا الجيش وجعلتها مقربة من واشنطن. يجب أن نعالج كل المشكلات القانونية الأميركية, ونشجع أوروبا والدول العربية الصديقة أن تحذو حذونا. كما ندع أيضا للأصدقاء المصريين المرونة اللازمة في المناقشات السياسية الداخلية.

وهذا لا يعني منحهم شيكا على بياض تماما. ما يعني رفض نهج أوباما بدعم جماعة الإخوان المسلمين أساساً, التي بقدر ما هي ميليشيا مسلحة فهي حزب سياسي, وتدين الحكومة المؤقتة.

ما يحدث في مصر الآن ليس جيداً. فعلينا الحرص على أن جهودنا لتحسين الأمور لا تسيء الى الوضع وتفاقمه, أو تعطل مصالحنا الإقليمية والعالمية الأوسع.

*نقلا عن جريدة "السياسة" الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.