البدوي الآخر
لا يتحلى الوقت عادة بالاتزان، حين تكون الأحداث موجعة الوقع، جارحة صفوف القلة من حاملي لواء القيم على بساطتهم البدوية، أولئك الذين عبروا الوقت المسموح لهم في هذه الحياة، ومازالوا يعبرون دون أن تشوههم الحاجة بالذل أو بالتزلف لمصدر السلطة والقوة!
كان هذا المساء.. محملاً بما يثقل كاهل الكلمات، ويفقدها الاتزان. فلم تأت على طبيعتها وبساطتها كما اعتاد أن يرسمها كف مبدع ككف العم سليمان الفليح رحمه الله.
"بني... رحم الله هذا الصديق الوفي والفريد من نوعه، ذلك الشجاع الذي ما أغراه يوماً ما كان يغري الكثير من عبدة المال وشعراء (البيع والشراء) ليسفح ماء كرامته على أبواب مفلسة إلا من المال حين كان يجلده زمنه بسياط الفقر والعوز في أيامنا تلك... سليمان الفليح يا بني صديق مختلف... صارعه زمنه كثيراً ولم يهزمه لأنه رجل بألف كرامة... هكذا هو سليمان!!
هنا كان والدي يرسل كلماته الحزينة عبر الهاتف بعد أن داهمته بالخبر مختصراً بحديثه المثقل بالحزن زمناً تعيدني تفاصيله لطفولتي وما تزال... حين كنت أرافق والدي لـ "ديوانيته" في الثمانينيات في منطقة "الصليبية" ذلك المنتدى الأدبي، والمدرسة المفعمة بالأمل والفرح، لأجدها تحتضن مجموعة من الأجنة في عالم الأدب واللغة، وتطلقهم للعزف على صفحات الجرائد اليومية، وتبقي عليهم عيون الرقيب المبتسم، والناقد الأب والصديق الناصح.
كم عددهم أولئك الـ "سليمانيين" الذين حملوا لواء الأمل لمقارعة زمن من الأنانية والرفض وعدم القبول.. وما عدد جنوده ذلك العسكري النحيل المسرف بالتدخين، والحزين الضاحك بوجه عدو لم يقو يوماً على مجابهته.. لأن الكرامة حقيقة لا تقتلها طلقات الوهم من أيدي أسياد الصدفة العمياء... ممن كان يزعجهم صوتك الصادق، ويقتلهم سيف كرامتك، وقلبك الكبير...
أذكرك.. تتحدث عن "تأبط شراً والسليك بن السلكة"..
أذكرك.. ترشق بكلماتك الضاحكة أولئك الصعاليك في مجلسك ومجلس بيتنا!
أذكرك.. مدرسة بالتهذيب والأدب والخلق!
أذكرك.. بـ "عقالك المايل" تستمع لمقطع شعري يلقيه محمد الثبيتي..
أذكرك.. غاضباً مما يكتبه أشباه الكتاب والصحافيين
أذكرك.. بعد أن تركت الكويت، لأن قلبها لم يتسع لك كما فعلت أنت
أذكرك.. مرحباً بي ضيفاً وابناً بخيمتك تلك بعد أن سكنت الرياض وبسؤالك المعهود "وشلون أبوك يا مالك؟!! إنه رجل أكبر من زمنه.. كن بوفاء أبيك ذلك الصديق الذي أحب... أبلغه محبتي واعتزازي".
لا تقلق ... فقد أبلغته بكل ما أعرف، لكنه لم يبلغن بكل ما يعرفه عنك من الحب.. لأن القواسم المشتركة بينكما كبرى خصوصاً حين تكون بحجم الكرامة والوفاء.. فكيف تقال.
سأعزيه بك... كما يليق بكما.. رفقاء السلاح في زمن الخوف، ورجال الوقوف في زمن الخضوع والهروب من المواجهة ولا بد لي أن أبلغك...
كلنا حزانى... لأن القائد لم يعد.. "كان متعباً.. قليلاً حين تحدثت إليه... تحدثنا لساعة قبل أسبوعين... قلنا الكثير مما نعرف ومما لا يعرفه غيرنا.. رحم الله أبا سامي صديقاً طيباً ووفياً".
حتى هنا.. لم تكن كلمات والدي الحزينة تكفي.. وما تزال هي فاقدة الاتزان لفقدها العم "أبو سامي"
كل السلام لروحك البدوية الطيبة.. مثلك يفتقد.