مرض..

نصر الدين لعياضي
نصر الدين لعياضي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

جاءني لائما، والغيظ يكاد يقطع أنفاسه. فساءلني قائلا: بالله عليكم ماذا تدرسون الجيل الجديد من الصحافيين في الجامعة؟ لم يمهلني لأستفسر عن سياق طرح سؤاله ليسترسل في الحديث: حضرت أربعينية الشيخ محمد فارح طيب الله ثراه، التي شاركت فيها مجموعة من أصدقائه وتلاميذه، فتقدم منا أحد الصحافيين يعمل في صحيفة يومية واسعة الانتشار مستفسرا عن الأشخاص الذين تتلمذوا على يد المرحوم. فرد عليه صديقي بالقول: لقد درّسني في الثانوية. فطلب منه تسجيل انطباعاته عن أستاذه، فلم يتردد لحظة وقال فيما معناه: لقد تتلمذت على يد ”سي محمد فارح” في زمن كان المتعاونون الأجانب يُدرّسون في المدارس الجزائرية. وكان مصدر فخرنا ليس بحكم جنسيته الجزائرية وكفاءته في التعليم فقط، بل أيضا لهندامه. فقد كان طويل القامة ووسيما. يرتدي دائما بذلة وربطة عنق. فتفوق بأناقته على الأساتذة الفرنسيين.

ولم يكن من طراز شيخ العربية في ذلك الزمان، والذي يمكن للمرء أن يميّزه بيسر للباسه التقليدي واعتماره الطربوش أو ”الشاش” الجزائري!. وأردف محدثي قائلا: لقد كنت بجانب صديقي وهو يدلي بشهادته في حق أستاذه المرحوم باللهجة العامية أو الدارجة. ولم يستعمل قط اللغة العربية الفصحى أو الفرنسية خوفا من عجز الصحافي عن إدراك معنى ما يقوله! وأكد محدثي أنه يعرف صديقه معرفة جيدة تمتد إلى أكثر من أربعة عقود.

ولم يكن في نيته أبدا تقديم شهادته للانتقاص من قيمة لباسنا التقليدي. لقد أراد التعبير عن إحساس تلميذ إزاء أستاذه. وشغف شاب جزائري في ذاك الوقت بكل ما يرفع سمعة الجزائري أمام الفرنسي، ناهيك عن تفوقه عليه. ويستطرد محدثي قائلا: كم كانت خيبتي كبيرة وسخطي أكبر عندما اطلعت على الجريدة المذكورة لقراءة ما كتبته عن أربعينية المرحوم! لقد نشر الصحافي شهادة تناقض كليا ما صرح به صديقي، مفادها أن الأستاذ محمد فارح رحمه الله، كان يتحدى الفرنسيين بلباسه التقليدي الجزائري في الثانوية التي درّس فيها!

بعد هذا التوضيح، فهمت سر غضب محدثي ولومه، قبل أن يحاصرني بوابل من الأسئلة: أيعقل أن يبلغ العجز بهذا الصحافي درجة أنه لا يتذكر الأسطر القليلة التي قيلت له؟ وما هي مصلحته أو منفعة صحيفته في تحريف شهادة لا تثير أي رهان؟ وكيف لي ولأمثالي أن يثقوا فيما يكتبه هذا الصحافي عن الأحداث التي تجري في العالم، وهو الذي خان أمانة نقل ما قيل له، ولم يستقه من غيره أو يقتبسه من مصدر ثان؟

اكتفيت بالإجابة عن أسئلة محدثي بالقول إن ما قام به هذا الصحافي لا يمت بصلة لأبجديات العمل الصحفي، فالمطلوب منه نشر ما قيل له بأمانة وصدق، وإذا كان له رأي مخالف لشهادة صديقك، أو اعتقد أنها تجانب الحقيقة فلينشر شهادة أخرى مغايرة. أو يكتب تعليقا منفصلا يبدي فيه وجهة نظره. لكن بعض الصحافيين ومن وراءهم مؤسساتهم الإعلامية، لا يكتبون عما يجرى في الواقع، بل يكتبون عما يرغبون أن يجري في الواقع. ولا ينقلون ما يسمعون بل ما يفضلون سماعه.

فربما حب الصحافي المذكور للباس التقليدي الجزائري ودفاعه المستميت عنه جره إلى تزوير شهادة صديقك والافتراء على المرحوم. وهؤلاء لا تنفعهم دروس في مهارات الاستماع. إن الكثير من الصحافيين المخضرمين يتذكرون النصائح إن لم نقل التوصيات التي كانت توجه لهم قبل أن يغادروا قاعات التحرير لتغطية الأنشطة والفعاليات، مثل: لا تنسى أن ”تطيح” على فلان أو ”اسخط” التنظيم الفلاني أو ”لمع” فلان. وهذا يعني عمليا لا تهتم بما يقوله أو يفعله، بل اكتب ما يُقال لك عنه. والنتيجة أن الصحافة سقطت في قبضة الإيدولوجيا ولم تسع إلى عرض الواقع، فعملت على بناء واقع افتراضي وفق مصالحها الضيقة وأهوائها السياسية المتقلبة.

وأصبح بعض الصحافيين سجناء أفكارهم المسبقة أو أسرى الأفكار التي توحي لهم! بالطبع، لم أشأ أن أشوه الرؤية المثالية التي يملكها محدثي عن الصحف، لذا لم أسمعه ما قاله عنها السينمائي الأرجنتيني ”كينو”، عندما أكد أنها تختلق نصف ما تقوله وتقول نصف ما يحدث في الواقع! لم أرغب في ذلك أيضا، حتى لا أظهر في موقف المدافع عن الصحافي المذكور، لأنه ببساطة اخترع كل ما تحدث عنه وليس نصفه فقط. أعرف أن هذا المثال لا يُعّد سوى ذرة في وضع الصحافة غير السوي في الجزائر، لكنه يتضمن إشارة يفهمها الصحافيون الذين لا يرضون أبدا أن يُقال عنهم يوما ما أنهم استلموا الصحافة كجسد يسكنه مرض فحوّلوها إلى مرض يسكنه جسد.

* نقلا عن "الخبر" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.