.
.
.
.

العسكر أم الغوغاء؟

خالد القشطيني

نشر في: آخر تحديث:

أصبح تاريخنا مع الأسف يقوم على الرجوع إلى الوراء. من ذلك أننا أصبحنا نتطلع بشوق إلى الخمسينات وحكم العساكر. لقد فشلت تطبيقاتنا الديمقراطية وأعطت مصداقا عمليا لرأي سائر الفلاسفة في التاريخ، وهو أن الديمقراطية تعني حكم الغوغاء. وإذا كان لا بد من الاختيار فأنا أفضل حكم العساكر على هذا الحكم الديمقراطي العليل الذي يعتمد أصوات الأغلبية الأمية ونصف الأمية. فالضباط يحملون شهادة الثانوية ثم شهادة الكلية الحربية ومدرسة الأركان وفيهم الكثير ممن درسوا وتعلموا في الغرب. وأين ذلك من مؤهلات بعض المسؤولين والناخبين الأميين الذين يعطونهم أصواتهم؟ لا شك عندي في أن عبد الناصر غير المنتخب كان أفضل من مرسي المنتخب، مثلما كان عبد الكريم قاسم والبكر غير المنتخبين أفضل من صدام حسين المنتخب بـ99 في المائة من الشعب.

الخطورة في حكم الغوغاء هي أنه لا يقتصر على تسليم الحكم لمن ليسوا أهلا له، لا خبرة لهم فيه ولا معرفة بمتطلباته، وإنما تمتد كذلك لتجهيل الشعب وإغراقه بالخرافات. فالحزب الديني يسعى لنيل أصوات الأكثرية. ولما كانت الأكثرية جاهلة وساذجة يعمد لدغدغتها بالخرافات وحنقبازيات الفتاوى والنعنعات الطائفية التي تتضمن تشويه التاريخ واختلاق الوقائع الوهمية وتكفير الطوائف الأخرى وتعميق الفرقة بين أبناء الشعب، وفي عين الوقت يسعى الحزب لنيل مباركة مشايخ ومرجعيات وتسخير الدين لمصالح سياسية ومكاسب شخصية حتى تغرق سياسة البلد ومستقبله في لجة من الجهالة يقف فيها الحزب بين المخلوق والخالق.

المعروف أن نسبة الأمية قد ارتفعت كثيرا في العراق الآن عما كانت عليه في عهد صدام حسين. وتروى حكايات عجيبة وغريبة عن مستوى المدارس والدراسة بما جعل الناس ينصرفون عنها. وهذه خطورة أخرى من أخطار الاعتماد على أصوات الأميين؛ إذ يصبح من مصلحة الحكومات التي تصل للحكم بجهالة هؤلاء الناخبين توسيع رقعة الأمية وتدمير القدرة على التفكير. وعلى عكس ذلك تسعى الديكتاتوريات العسكرية إلى تعليم الشعب لحاجتها إلى جنود متعلمين يستطيعون التعامل مع الأسلحة والتقنية الحديثة. هكذا انهمك عبد الناصر وصدام حسين في نشر التعليم في البلاد.

هذه حقيقة لا بد من مواجهتها، ومواجهتها بشجاعة، وليقل المنتقدون في الغرب ما يقولون. خيارنا بين اثنين؛ إما حكم عسكري واع وعلماني متطور، أو ديمقراطية ناجحة وفعالة تقوم على الشريحة المتعلمة والمتطورة وأصوات ناخبين متعلمين.

*نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.