.
.
.
.

إما الاستقلال الوطنى وإما البعثات

منار الشوربجي

نشر في: آخر تحديث:

لا أعلم من أين أتى الإعلام المصرى بأن أمريكا على بكرة أبيها تتبنى موقفا كاسحا فى عدائها للنظام السياسى فى مصر. فتلك قراءة تفترض أن أمريكا كلها على قلب رجل واحد، لا فرق بين الكونجرس، والإدارة، والإعلام. فالرئيس فيها يقرر وحده، فيصطف الكل وراءه. وهو افتراض لا علاقة له بآليات صنع القرار الأمريكى، ولا يصمد حتى أمام قراءة الحادث بالفعل فى أمريكا. فالكونجرس، مثلا، به أصوات تنادى بقطع المعونة المخصصة لمصر، وأخرى ترفض المساس بها، أى أن المؤسسة التشريعية منقسمة على نفسها، ولم تتخذ قرارا بشأن مصر. والانقسام ذاته قائم داخل الحزبين.

فالمؤيدون والمعارضون ينتمون لكلا الحزبين. والحقيقة أن صلاحية تقرير المعونات فى يد الكونجرس بموجب تشريع، لكن تطبيق القانون بمجرد صدوره يكون فى يد الإدارة، وبالتنسيق مع الكونجرس. لكن إدارة «أوباما» نفسها ليست على قلب رجل واحد. فموقف البيت الأبيض يختلف عن الخارجية، وموقف الاثنين يختلف عن وزارة الدفاع. فبالنسبة للبيت الأبيض، لا يجوز أن ننسى أنه حتى الساعة يرفض استخدام صفة الانقلاب أو الثورة لوصف المشهد المصرى، لأن ذلك الوصف سيحدد فورا وقف المعونة أو استمرارها.

وأوباما قال إنه لم يكن «يفضل استخدام القوة لحل المشكلات السياسية، لكن بعد تدخل الجيش ظلت هناك فرصة للمصالحة وللمسار الديمقراطى» ضيعتها الحكومة المصرية، بما يشير إلى أن المشكلة لم تكن فى «تدخل الجيش»، وإنما فيما جرى لاحقا من اعتقالات ووقوع قتلى وجرحى. و«أوباما» بعد أن أكد أن قطع المعونة لن يغير شيئا، قال عبارة لافتة تجاهلها الجميع، حيث استطرد قائلا: «إلا أن أغلب الأمريكيين يريدوننا أن نَحذَر من أن نبدو كأننا (ولاحظ نبدو هذه) مؤيدون لأفعال ضد مبادئنا».

أما حديثه عن «وقف العنف»، فهو خطاب تقليدى تلوكه أمريكا طوال الوقت، ولا تستتبعه بالضرورة أفعال على الأرض. و«أوباما» بنفسه هو الذى اتخذ قرار تأجيل إرسال طائرات الـ«إف 16» المتفق عليها، وإلغاء المناورات، ولكنه لم يوقف المعونة، وقال إنها «تخضع للمراجعة». أما وزارة الخارجية، فموقفها أقرب للبيت الأبيض، وإن كان خطابها أقل حدة منه. فرغم أن المتحدث باسم الخارجية قال «إننا سنحاسب الحكومة المصرية المؤقتة»، فإنه حين سئل عما يقصده «بالمحاسبة»، قال إن الحكومة المؤقتة «وعدت بالانتقال السريع إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطيا.

وحين أقول نحاسبها فأنا أقصد أننا سنذكرها بتعهدها، ونشجعها على تنفيذه». وتلك ليست لغة من يتخذ موقفا معاديا. أما البنتاجون، فهو الأكثر دعما واهتماما باستمرار العلاقات العسكرية قوية. وحين ترددت أنباء عن أن «أوباما» «جمد المساعدات العسكرية سرا»، خرج المتحدث باسم البنتاجون فورا لينفى اتخاذ «أى قرار بوقف المعونة العسكرية لمصر أو تعليقها»، وليقول إنه (البنتاجون) لايزال يقدم المساعدات للجيش المصرى كالمعتاد. أما الإعلام الأمريكى، فهو مملوك لشركات أو أفراد ولا رقابة للدولة عليه.

صحيح أن لبعض الإعلاميين علاقات بدوائر الحكم، إلا أن الإعلام ليس تابعا لتلك الدوائر، وإلا لما كان هو نفسه الذى فجر الفضائح من ووترجيت إلى تنصت أمريكا على العالم كله. والإعلام الأمريكى به من ينتقدون ما يحدث فى مصر بشدة ومن يدافعون عنه بقوة. ولأن الخلاف بين المؤسسات هو القاعدة لا الاستثناء، فلا يجوز تجاهله.

أما ما لا أفهمه بالمرة، فهو أن نعتبر أمريكا كلها معادية، ثم فى الوقت نفسه نرسل لها البعثات «لشرح الموقف». فإما أنها عدو، فندافع عن الاستقلال الوطنى، ونطالب بوقف المعونة، وإما أنها صديق، فنرسل البعثات لإقناعها «حتى تعود المياه لمجاريها». فلا يجوز الجمع بين الاثنين. ولاّ إيه؟!

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.