.
.
.
.

الضربة العسكرية للأسد "محدودة وموجعة"!

سركيس نعوم

نشر في: آخر تحديث:

الأحداث التي شهدتها مصر منذ 30 يونيو أقلقت كثيراً الولايات المتحدة، استناداً الى متابع أميركي مزمن وجدّي لأوضاع الشرق الأوسط وتطوراتها بعربه والعجم. اذ بدا "خلع" الرئيس محمد مرسي مناقضاً للديموقراطية لأنه انتخب وفقاً للدستور، لأن تنفيذه بواسطة العسكر يفتح الآفاق أمام عودة الديكتاتورية العسكرية وان بذريعة الخوف من تأسيس ديكتاتورية دينية، ولأن الرفض "الاخواني" لـ"الخلع" وما رافقه من تظاهرات واشتباكات دموية جعل مصر قريبة من الفوضى والفتنة والحروب الأهلية. لكن القلق المشار اليه تبدَّد الى حد كبير في رأي المتابع نفسه. ذلك أن ادارة الرئيس باراك أوباما بدأت تُحمِّل مرسي مسؤولية ما حصل له ومضاعفاته في الشارع. اذ إنه حُذِّر وعلى نحو مستمر من داخل مصر كما من خارجها من الاستمرار في نهجه، ونُصِح أكثر من مرة بتغييره. لكنه لم يتجاوب. وما حصل له كانت الادارة تعرفه أو تعرف به أو تتوقّعه. وبنتيجته تحرَّك الجيش المصري ضده. ويبدو، استناداً الى المعلومات الواردة على واشنطن والمسؤولين فيها من القاهرة، أن مخطط العسكر يسلك درب النجاح. فهم استعملوا القبضة الحديد أولاً، ثم ألقوا القبض على قيادات الصف الأول والصف الثاني والصفوف الأدنى لـ"الاخوان المسلمين". وجعل ذلك منظمتهم بلا قيادة وعاجزة عن التخطيط لمواجهة "مرحلة الشدَّة" التي يمرون بها.
طبعاً، يستدرك المتابع اياه، لا يعني ذلك استبعاد "الاخوان" من المشهد السياسي العام. ذلك أنهم سيُدعوْن الى الاشتراك في الانتخابات العامة المصرية المقبلة. لكنهم سيضطرون الى النزول تحت الأرض اذا رفضوا الدعوة. ولن يكون ذلك جديداً عليهم. اذ عاشوا معظم "عمرهم" اذا جاز التعبير على هذا النحو ومنذ تأسيس "جماعتهم" عام 1928 تحت الأرض.
ماذا عن سوريا وما يجري فيها في ضوء التهديدات الأميركية بضرب أهداف مهمة تخص النظام الحاكم فيها ويبدو أنها جدّية هذه المرة؟
الرئيس بشار الأسد صار مصدر قلق لأميركا ولادارتها، يجيب المتابع نفسه. فهناك دليل قوي على أنه شخصياً أعطى الأمر باستعمال الأسلحة الكيميائية قبل نحو أسبوع أو أقل وعلى أن أمره نُفِّذ. والولايات المتحدة ستنفذ ضربة عسكرية ضده من دون شك، لكنها ستكون محدودة وموجعة ومؤذية في آن واحد. اذ ليست هناك نية عندها لتغيير الوضع على الأرض في سوريا الآن. فالثوار بدأوا يتسلّمون الأسلحة الثقيلة التي أرادوها دائماً. وقد يضعف ذلك الهجوم "الحديث" الذي تنفِّذه قوات الأسد. وما يُقلِق أميركا هنا هو "عقدة شمشوم" أي تصرّف الأسد مثله انطلاقاً من قوله الشهير: عليّ وعلى أعدائي يا رب. فهل يهاجم عسكرياً اسرائيل كما قال سابقاً أنه سيفعل لجر المنطقة الى أتون كبير، علماً أنه يٌقدِم على الانتحار بذلك؟ وما يقلق أميركا أيضاً هو تهديد إيران بالرد مباشرة عليها وعلى حلفائها في الخليج اذا ضربت سوريا، الذي جاء على لسان عسكري رفيع المستوى. وعمل كهذا سيكون انتحاراً لايران، علماً أنه قد يكون جراء استحكام عقدة شمشوم نفسها بحكامها. وهنا يعترف الأميركيون، استناداً الى المتابع نفسه، أنهم معرَّضون للعطب (Vulnerable) مباشرة مع حلفائهم في الخليج. وأنهم سيكونون معرَّضين له أيضاً اذا قررت ايران استعمال أوراقها وأدواتها في أوروبا وأفريقيا وأميركا الجنوبية. ويعترفون ايضاً أن اسرائيل معرَّضة للعطب اذا نفّذ "حزب الله" حرباً ضدها رداً على استهداف نظام الأسد، واذا استهدف في طريقه الأميركيين. علماً أن ذلك سيكون بدوره انتحاراً له ولايران حليفته. ذلك انه سيوفر لأميركا الذريعة لضرب البرنامج النووي الايراني، ولاسرائيل ذريعة للذهاب وراء الحزب وحلفائه في كل لبنان بغض النظر عن "التكاليف". فهل يتحمّل "الحزب" ذلك في ظل وجود "عسكر" له داخل سوريا وفي ظل انتشار قواته داخل مناطقه في لبنان حماية لها من التطورات التي بدأت أخيراً (تفجيرات)، وفي ظل احتمال اضطراره الى وضع اليد على معظم بلاده مع ما يستلزم ذلك من اصطدامات مع جهات عدة؟
في النهاية يخلص المتابع الأميركي نفسه الى الاعراب عن أمله في أن يقبل الأسد و"حزب الله" "الضربة المحدودة" مع دروسها ويتركا الأزمة تمر.
هل يفعلان ذلك؟ لا أحد يعرف. لكن رد فعلهما سيظهر لأن الضربة الأميركية اذا تقررت قد تنفَّذ في أيام غير بعيدة، أي بعد انتهاء تحقق لجنة الأمم المتحدة من استعمال الكيميائي في غوطة دمشق.

*نقلا عن "النهار" اللبنانية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.