.
.
.
.

سوريا تفضح القوى العظمى

موناليزا فريحة

نشر في: آخر تحديث:

إذا كان ضرب سوريا يفجّر المنطقة، فالسلام بالتأكيد لن يحل بمجرد التراجع عن خطوة كهذه، لكون زعماء العالم الحر صحوا فجأة على التقاليد الديموقراطية لدولهم، ورموا على كاهل برلماناتهم عبء قرار قيدوا به أنفسهم ولم يعرفوا سبيلا آخر للتنصل منه.

لم يكن أكثر المتحمسين لضرب سوريا مقتنعين تماماً بأن تلك الضربة التأديبية العاجلة المفترضة، وهي قد تكون من أكثر المبادرات العسكرية التي حظيت بدعاية اعلامية، ستشكل حلاً للازمة ، في ظل غياب أية استراتيجية متكاملة لمرحلة ما بعدها. بدت أهداف تلك الضربات لوهلة مجرد اعادة ترسيم لخط أحمر رسمه أوباما وضيعت معالمه دماء أطفال الغوطتين ، ومحاولة من فرنسا لتعزيز دورها المتراجع في الخارج. لم يتوهم أحد في أية لحظة أن تلك الضربة "الجراحية" أو"التأديبية" ستنقذ سوريا مما تتخبط فيه منذ سنتين ونصف سنة. في الشكل التي رسمت به، كانت، في أحسن الاحوال، ستكون تبرئة ذمة دولية حيال السوريين.هذا إذا لم تحقق تلك الضربة "الانسانية" نصراً للأسد لصموده في وجه البوارج الغربية، وتطلق يده للمضي في استخدام اسلحته التقليدية التي أثبتت مدى الاشهر الثلاثين الاخيرة أنها لا تقل فتكاً عن الترسانة الكيميائية.

طوال الاسبوع الماضي، كان صدى بيانات الحرب الصادرة عن واشنطن يتردد في المنطقة. كثرت السيناريوات عن استعدادات محور الممانعة للرد، وعن خطط جاهزة لضرب اسرائيل ومصالح غربية انتقاما لنظام الاسد. ومع تراجع الزخم العسكري في واشنطن، خفتت طبول الحرب في المنطقة وساد ما يشبه هدوء ما قبل العاصفة التي لم يعد معروفا من أين ستهب.

لا يبدد التراجع عن الضربة أيا من أخطار المضي فيها. لن تتوقف روسيا وايران و"حزب الله" عن دعم الاسد، ولن يزيد تردد الغرب النظام السوري إلا بطشاً. أما استخدام السلاح الكيميائي فسيتجاوز مع الوقت حدود الغوطتين وسوريا و الشرق الاوسط كله، ليصير تهديدا للامن العالمي كله.

كشفت الازمة السورية مشكلة حقيقية في النظام العالمي. فلا أميركا التي تعد نفسها القوة العظمى الوحيدة في العالم، ولا روسيا التي تتطلع الى استعادة امجاد غابرة، تمكنتا من وضع حد لمأساة القرن. وبدل أن تتطلعا جديا الى حل ، قررتا كل على طريقتها، أداء دور سلبي في تمديد الازمة. وجاء الاستخدام المفترض للأسلحة الكيميائية ليفضح ضعف من تعتبران نفسهما قوتين عظميين، وهشاشة الامن العالمي.

لعل الايجابية الوحيدة في تراجع أوباما للافساح في المجال مرة أخيرة للاعبين جردتهما الازمة السورية من مؤهلات القوة العظمى، لتحريك جهود الحل السلمي. فعندما يلتقي زعماء العالم في بطرسبرج غدا وبعد غد، ستكون ثمة فرصة أخيرة وإن ضعيفة للبحث عن السلام الموعود، ربما قبل... الحرب.

نقلاً عن صحيفة "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.