ما بعد التدخل... المستنقع السوري
إذا ثبت فعلاً استخدام الكيماوي وحدث التدخل، فما المستقبل إذن؟
المقصود بالتدخل هنا هو الهجوم العسكري الرسمي الذي قد يحدث هذا الأسبوع، لأن أنواع التدخل المختلفة لم تتوقف منذ قيام الانتفاضة السورية منذ أكثر من عامين.
لم يقتصر هذا التدخل في الماضي على قطاع دون آخر أو على الجانب الحكومي أو المعارض. فنظام بشار يستفيد إلى أقصى حد من الدعم الإيراني من سياسي واقتصادي وعسكري، بل إن حلفاء إيران في المنطقة مثل «حزب الله» اعترفوا صراحة بأن بعض قواتهم تقاتل إلى جانب القوات السورية هناك أيضاً الدعم الاقتصادي والعسكري، خاصة الدبلوماسي من جانب روسيا، وكذلك الصين الذي أصاب مجلس الأمن بالشلل فيما يتعلق بأية قرارات تضعف نظام بشار، ثم على مستوى أقل هناك تأييد من بعض الأنظمة المسماة ثورية، والتي تعتقد أن أي مقاومة للنفوذ الأميركي هي معركتها، وبالتالي وجب تأييدها لإضعاف الهيمنة الأميركية على المستوى العالمي، كما هو حال فنزويلا.
التدخل موجود أيضاً بالنسبة للمعارضة السورية، ومن الجائز بحجم أقل. هناك بالطبع التأييد السياسي من العديد من الدول العربية، وكذلك معظم الدول الغربية، ولقد ترجم بعض المؤيدين دعمهم السياسي إلى دعم اقتصادي، كما هو الحال بالنسبة لبعض دول الخليج، أو دعم عسكري غير رسمي، كما هو الحال بالنسبة لتركيا أو حتى مستشارين عسكريين من دول حلف «الناتو» وبتأييد نقدي من دول مثل قطر.
التدخل الخارجي في سوريا إذن ليس بجديد بالمرة خلال العامين المنصرمين، ما جعل سوريا تتصدر الأبناء العالمية هذه الأيام هو التداول الدولي حول تدخل عسكري رسمي جرى الحديث عنه مراراً منذ عدة شهور، ولكن التخطيط له الآن أكثر صراحة على أساس أن نظام بشار تعدى الخطوط الحمراء خاصة فيما يتعلّق بأدلة معظمها من إسرائيل - على استعمال الأسلحة الكيميائية ضد ما يسميهم المتمردين أو الإرهابيين. بل وصل التحديد أن الهدف العام هو ليس إسقاط النظام، بل وصل الأمر ببعض الجهات الأميركية إلى تحديد بعض مواقع الضربة العسكرية المحتملة، وهو في الواقع غريب بعض الشيء أن يتم إعلان كل هذه المعلومات قبل أن تبدأ هذه الضربة العسكرية.
هنا إذن تخبط فيما يتعلّق بالمستنقع السوري، ومن أكثر من جانب، على مستوى الحكومات كما على مستوى الشعوب.
لعلّ أوضح مؤشرات هذا التخبط هو ما حدث في مجلس العموم البريطاني يوم الخميس الماضي. كان رئيس الوزراء البريطاني المحافظ من أكبر المؤيدين للتدخل العسكري المباشر، ومتحمساً للعمل مع حليفه التقليدي - واشنطن - كتجسيد «للعلاقة الخاصة» التي تربط هذين البلدين ذوي الثقافة الأنجلوساكسونية، وبالرغم من خطاب ديفيد كاميرون الناري والتحريضي إلا أن مجلس «العموم» خذله وصوَّت ضد التدخل البريطاني في سوريا، وهي ضربة قوية ليس لرئيس الوزراء البريطاني فقط ولكن لمعسكر التدخل الدولي نفسه. فانتهزت المستشارة الألمانية ما حدث لتكرر اعتراضها على التدخل العسكري المباشر، كذلك أعلن سكرتير عام حلف الناتو أنه - بعكس ما حدث في ليبيا - فإن الحلف أعلن رسمياً عدم اشتراكه في التدخل العسكري. ثم اعتراف أوباما المدهش أن القرار - عندما يُتخذ - سيكون طبقاً للمصالح القومية الأميركية، بعكس ما كان يشاع دائماً أن التدخل ما هو إلا جزأ من عملية «تدخل إنساني». وفي كل هذه الضجّة العالمية لتسويق التدخل، يتلكأ العمل العربي المؤسسي - هذه الجامعة - ليضيف إلى التخبط وكأن ما يحدث في سوريا ليس من الأهمية لبيت العرب!
على المستوى الشعبي أو غير الرسمي فإن من أوضح المؤشرات على هذا التخبط الصورتين التي نُشرتا لابن بشار - حافظ - ذي الأحد عشر ربيعاً. صورة وهو يجلس على مكتب والده ويلبس الزي الرسمي لجنرال عسكري بما فيه «الكاب». أما الصورة الثانية فهو يلعب ويجلس داخل حقيبة كعادة كل الأطفال الأبرياء، التعليقات نفسها على الصورتين والتي تزيد عن 156 تعليقاً في آليات التواصل الاجتماعي هي غاية في الانقسام بين مؤيد لحماية النظام وعسكرية ملبس الطفل وبين إدانة الزج بالأطفال في العسكرة وأجواء الاقتتال.
أعتقد أن هذا التخبط سيستمر حتى بعد التدخل العسكري المحتمل والمكثف، والذي قد لا يقضي على النظام، ولكن يُضعف قوته وشوكته. بل قد يستخدم أعوان النظام هذا التدخل لتدعيم مقولتهم المكررة إن سوريا ونظامها الحالي ما هما إلا رمز للمقاومة في وجه مؤامرة صهيونية ودولية مستمرة لا تبغي إلا الشر للعرب.
أساس هذا التخبط المستمر داخلياً وخارجياً وجود عاملين:
1- أن المعارضة السورية لم تنجح حتى الآن في أن تكون بديلاً للنظام في الداخل. ليس هناك قواعد شعبية أو عمل جماعي أو حتى تفتت أو انشقاقات كبيرة في النظام الحاكم، بل على العكس لا يزال النظام مسيطراً على الجيش والمؤسسات الأمنية.
2- غير واضح حتى الآن أن بديل النظام القمعي سيكون عملية تحول ديمقراطي، حتى متعثرة، ولكن انشقاقات داخل المجتمع نفسه على أساس العرق أو المذهب الديني، وقد تؤدي إلى حرب أهلية أو طائفية تزيد من معاناة السوريين ويمتد آثارها إلى الدول المجاورة من العراق، لبنان أو حتى الأردن. هكذا يتحوَّل المستنقع السوري إلى مستنقع عربي.
وهكذا بسبب عدم مؤسسة الائتلاف الوطني السوري كبديل حاكم، تتبلور أكثر وأكثر مقولة النظام السلطوي. «إما أنا ... أو الطوفان».
نقلاً عن صحيفة "الاتحاد"