.
.
.
.

الضربات الكيميائية والتدخل العسكري

طيب تيزيني

نشر في: آخر تحديث:

سار الصراع بين النظام السوري وقوى الثورة في ثلاث مراحل ضبطت وحددت مآل هذه الثورة، التي بدأت كصراع سلمي وتحولت إلى صراع مسلح تقليدي، ثم إلى صراع مسلح كيميائي. أما الأول فاستمر ستة أشهر تقريباً لم يخرج عن كونه «سلمياً»، في حين ظل الصراع بين الفريقين في المرحلة الثانية قائماً على استخدام أسلحة تقليدية، كان فيها السلاح الجوي ذا تأثير أكثر فاعلية وخطراً من أي سلاح آخر. ويلاحظ أنه في هذه المرحلة كان ثمة شبه إجماع في أوساط الثورة (الانتفاضة) على رفض التدخل الخارجي العسكري من قبل الغرب وكذلك من قبل الآخرين، بمن فيهم العرب.

وقد جاء ذلك الرفض لدينا في سياق التحدث عن اللاءات الأربعة التالية: الطائفية، والثأرية، والتقسيمية، والتدخل الخارجي، وكنا أوضحنا هذا الأخير، حين ميزنا بين التدخل الخارجي للمساعدات السلمية ومنها الطبية والغذائية والاحتياجات السكنية وغيرها من طرق، وبين التدخل الخارجي العسكري المسلح من طرف آخر، ورفضناه رفضاً قاطعاً وكلياً. ولاحظنا أن هذا النمط من التدخل كان مرفوضاً من مجموعات واسعة في سوريا وفي العالم العربي. وهو (أي هذا النمط) يبدأ بتاريخ التدخل الخارجي الأجنبي منذ العصر الاستعماري الحديث الفرنسي والإنجليزي والإيطالي والأميركي، والصهيوني بطبيعة الحال. وقد لاحظ الكثيرون من الباحثين وأطراف كبيرة من الجماهير العربية التمييز بين ما اعتبر «استعماراً قديماً وآخر حديثاً». ولم يكن هنالك أدنى شك حول ذلك، وقد استمرت منظومة المفاهيم السياسية الاستعمارية على هذا النحو في العالم العربي ومن ضمنه سوريا.

أما ما اتصل بالتدخلات الأجنبية الخارجية التي اقترنت بصيغة غير تقليدية من السلاح، وهو الذي سيدخل التاريخ باسم السلاح النووي أو بسلاح التدمير الشامل أو بالسلاح الكيميائي، فلم يكن له علاقة مباشرة بالعالم العربي، إلا إذا أدخلنا العراق في هذه العلاقة، رغم ما يحفّ الأمر من التباسات ربما ما زالت قائمة.

هكذا إذن نلاحظ أن ما يتصل بالحديث عن أسلحة «غير تقليدية» في العالم العربي يبدأ بظهور سلاح كيماوي مؤخراً مع استخدام سوريا له في الحرب بين النظام القائم والانتفاضة، التي تحولت إلى ثورة، وها هنا يمكننا التحدث عن تاريخ حديث جديد لاستخدام السلاح المحرّم دولياً، وهو الكيماوي. ففي شهر أغسطس 2013، أعلن النظام السوري الحرب الكيماوية على المنتفضين، بحيث أدى ذلك إلى قتل 1600 طفل وامرأة ورجل، ها هنا نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام حدث هائل في تأثيره التدميري ومن ثم في تجاوزه للخط الأحمر الذي وضعته «الولايات المتحدة» حيال ذلك الواقع.

يهمنا من ذلك الإشارة إلى أن الحديث عن تدخل خارجي في الشأن السوري الراهن يتصل، تحديداً، بالسلاح المحرّم دولياً (السلاح الكيماوي) الذي استخدمه النظام السوري ضد مواطنين مدنيين في الغوطتين الشرقية والغربية. وهذا حين يتم فإنه لا يعني تدخلاً من قبل من يرفضه ويدينه ويقف في وجهه، ها هنا تختلف المقاييس وقواعد اللعبة، فاستخدام السلاح المذكور يُدخل في المحظورات، في حين يُعتبر اللجوء إلى مواجهته بمساعدة دول أخرى إنما هو أمر مشروع حتى في الشرائع الدولية الممثلة بما تجسده منظمة الأمم المتحدة. ومن الناحية العملية، فإن اللجوء إلى هذه الأسلحة إنما هو خرق لكل الشرائع المحلية والإقليمية والدولية، هذا بالرغم من أن الأسلحة التقليدية قادت - في حالات معينة - إلى نتائج تصل إلى مستوى نتائج الحرب الكيماوية. وهذا ما يجعلنا نشدد على أن الحروب بأسلحة قاتلة مدمرة تلتقي في أنها جميعاً تمثل خرقاً لحقوق الإنسان، مع اختلاف في وسائل القتل ودرجاته ومخاطره.

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.