.
.
.
.

ليس باسمنا

مصطفى زين

نشر في: آخر تحديث:

هي اللعبة القديمة تتكرر دائماً. القوى العظمى تتفاوض نيابة عن الدول والشعوب الضعيفة. تقرر المصائر وشكل الحكم. تنصب الرئيس المناسب. تعزل هذا وتقرب ذاك. ترسم الحدود الجغرافية. تقرر من العدو ومن الصديق. تنشىء الأحلاف. تتكرم بتسليح هذا الطرف للدفاع عن نفسه وتحرم الآخر ... كل ذلك باسم الإنسانية والقانون الدولي.

العين الآن على جنيف. على لافروف وكيري. مصير الشعب السوري، وشعوب المنطقة كلها، معلقة في انتظار اتفاقهما أو افتراقهما. الأول يمثل سورية النظام وحلفائه في الداخل والخارج. والثاني يمثل «الثورة» وتوابعها وحلفاءها.

واقع الأمر أن كلاً منهما يجتهد للحصول على أكبر قدر ممكن من كعكة المصالح النفطية والجيوستراتيجة. وضمان نفوذه عبر سلطة أو نظام «صديق» يحمي هذه المصالح ويؤمن ديمومتها. كان باستطاعة الطرفين بدء هذه المفاوضات قبل أكثر من سنة. لكن كليهما كان يراهن على انتصار فريق سوري على آخر. وكلاهما كان يؤمن الدعم المادي والتسليحي والسياسي لحليفه. الولايات المتحدة كانت تراهن على «الثوريين» لتوسيع نفوذها. وعلى قسم ظهر الحلف الممتد من إيران إلى لبنان. وروسيا العائدة بقوة إلى المسرح الدولي تراهن على تماسك هذا الحلف الكاسر للتوازن الدولي. تطمح إلى استعادة دور الإتحاد السوفياتي. بوتين قيصرها الجديد يلعب دور الحزب الشيوعي بكل مؤسساته. أما مسألة الكيماوي ومأساة السوريين فليست سوى ورقة تستخدمها الولايات المتحدة لتغطية طموحاتها التي لا تخفيها. وتسعى جاهدة لإقناع العالم بمشروعيتها. لكن إدارة الرئيس أوباما فشلت في إقناع الأميركيين بأن ضرب سورية يحقق هذه الطموحات. الشعب كان أكثر واقعية من الإدارة. تعلم من التجارب السابقة التي دفع ثمنها ترليونات الدولارات وآلاف الجنود القتلى. وجزءاً ليس قليلاً من حريته، ومن أمنه واستقراره.

خلال حملته المكثفة لإقناع الأميركيين والكونغرس بضرورة إعطائه تفويضاً لضرب سورية، استشهد أوباما بأميركي كتب إليه يقول: «ما زلنا في مرحلة التعافي من تورطنا في العراق». وأضاف أن «أحد المحاربين القدامى عبر عن الوضع بطريقة مباشرة حين قال لي : هذه الأمة مريضة ومتعبة من الحرب. وكان جوابي بسيطاً: لن تدوس أقدام الجنود الأرض في سورية. لن أشن حرباً مفتوحة مثل الحرب على العراق أو افغانستان. لن أطلق حملة جوية طويلة مثلما كانت الحملة على ليبيا أو كوسوفو. سيكون الهجوم سريعاً لتحقيق أهداف محددة: وقف استخدام الأسلحة الكيماوية، وإضعاف الأسد».

وصف خطاب أوباما بأنه كان ضعيفاً مليئا بالتناقضات. ضعيف لأن قائله كان متردداً. هو لا يريد الحرب لكنه مدفوع إليها للمحافظة على ماء وجهه فقد حدد خطوطاً حمراء تجاوزها الأسد. وعليه تنفيذ وعيده. ومتناقض لأنه يريد القضاء على النظام بالضربة القاضية، وهو ليس واثقاً من ردود الفعل. يريد إسقاط النظام ولا يسعى إلى ضرب الجيش الملتف حوله. لذا تراجع وألقى الحمل على الكونغرس. لجأ إلى المفاوضات مع الروس. فاللعبة بالنسبة إليه ليست ثورة ومقاومة وحريات. هي لعبة مصالح ونفوذ، وليدفع السوريون الثمن، ليقتتلوا إلى أن ينهكوا جميعاً وتسقط الثمرة. أما روسيا فكل همها الآن الخروج من الحرب القوة العظمى الثانية، بقي الأسد أو رحل.

ليس باسم السوريين يتفاوض الروس والأميركيون. وليس باسمنا نحن العرب الذين سلمنا أمرنا إليهم. وعلينا تقبل النتائج كما هي في انتظار ثورة ثانية.

*نقلا عن "الحياة" اللندنية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.