المصريون فى انتظار ثورتهم الاجتماعية

ضياء رشوان
ضياء رشوان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

القرارات التى اتخذتها أخيراً وفى نهاية الأسبوع الماضى حكومة الدكتور حازم الببلاوى هى البداية الحقيقية لتنفيذ بعض من مطالب الشعب المصرى فى 25 يناير و30 يونيو بعد أن قاربت ثورته على السنوات الثلاث. فالبعد الاجتماعى الواضح فى هذه القرارات والذى يمس ويسعى لمعالجة ولو وقتية لهموم غالبية المصريين الاقتصادية والاجتماعية، كان هو البعد الغائب عن ثورة يناير منذ نجاحها. فالمصريون الذين رفعوا شعارهم «عيش، حرية، عدالة اجتماعية» لم يروا من الثورة سوى الحرية التى مارسوها بكل عنفوان طوال الشهور الطويلة التى مضت منذ رحيل نظام مبارك، وكان تهديدها من نظام الإخوان هو الذى أخرجهم مرة أخرى للميادين والشوارع بعشرات الملايين فى 30 يونيو لكى يعيدوا ثورتهم إلى مسارها الأصلى.

وظل المصريون طوال شهور الثورة الطويلة ينتظرون أن يتحقق هدفاهم الآخران، أى العيش الكريم والعدالة الاجتماعية، إلا أن انتظارهم طال كثيراً بالرغم من الجهود التى بذلتها الحكومات المتعاقبة منذ نجاح الثورة، فهى لم تتحول إلى تصورات واضحة وخطط مفصلة لتحقيق الثورة الاقتصادية والاجتماعية التى سعى إليها المصريون. وظلت الثورة طوال هذه الشهور بالنسبة للمصريين مجرد ممارسة لكل أنواع حرية القول والرأى والاحتجاج التى مارسوها بمختلف فئاتهم وفى كل مناطق البلاد، وبدت بالنسبة لكثيرين منهم مجرد حوارات وصراعات فى الرأى يمارسها أفراد نخبتهم على شاشات التليفزيون سواء فى برامجها أو ما تنقله من فعاليات ومؤتمرات وندوات هنا وهناك.

أما الثورة الأخرى، أى الاجتماعية والاقتصادية، فلم تطرق أبواب بيوت المصريين وأماكن عملهم وتجمعاتهم، فلم تنفذ إلى جيوبهم فيزيد دخلهم، ولم تتطرق إلى أجسادهم فتتحسن صحتهم وتغيب عنها الأمراض المستوطنة القاسية التى تلتهمها، ولم تصل إلى أبنائهم وبناتهم الذين ظلت البطالة تدمر حياتهم ونفوسهم، ولم تتجسد فى مساكن آدمية جديدة تضم الأسر الفقيرة الحالية أو تسمح لشبابهم بأن يكونوا أسراً جديدة سعيدة. المصريون ظلوا فى صمت طوال هذه الشهور يحدوهم الأمل فى أن يروا الثورة فى صورتها الاجتماعية والاقتصادية فى صورة قرارات وسياسات «ثورية» حقيقية تعيد صياغة حياة أغلبهم البائسة التى دمرها نظام مبارك وترك نحو نصفهم يتحدى الفقر وثلثهم يعانى الأمية وأعلى نسب فى العالم من الأمراض الخطيرة وعلى رأسها الالتهاب الكبدى والفشل الكلوى وأمراض السرطان.

من هنا فإن بدء حكومة الدكتور الببلاوى باتخاذ قراراتها الاجتماعية الأولى التى تمس جزءاً يسيراً من هموم المصريين الاقتصادية والاجتماعية هو فى حد ذاته أمر إيجابى تجب تحيته ولكنه غير كاف ويحتاج إلى خطوات أخرى أكثر اتساعاً ووضوحاً وثباتاً. وهذه الخطوات معظمها معروف للحكومة وطالبت به معظم قطاعات الشعب والنخبة منذ نجاح الثورة، ومنها الحدان الأدنى والأقصى للأجور وتعديل النظام الضريبى ليصبح أكثر عدلاً وفاعلية فى توفير موارد جديدة للبلاد، إلا أن الأمر يحتاج اليوم إلى ما هو أكثر وأبعد من هذا. ما نحتاج إليه اليوم لكى تتحقق ثورية المطالب الاجتماعية والاقتصادية للمصريين هو دخول الحكومة وبقوة إلى ملفات البطالة والصحة والإسكان التى تدمر حياة المصريين، ليس فقط عن طريق إجراءات إصلاحية جيدة وسريعة، ولكن عن طريق قرارات كبرى ومشروعات جريئة ثورية تبادر بها الحكومة وتنفذها دون تردد أو إبطاء.

المصريون مازالوا ينتظرون استكمال ثورتهم ولايزالون يئنون من الإرهاق الاجتماعى والاقتصادى، فلا تتركوهم ينتظروا طويلاً، فالأنين والمعاناة هما دوماً دوافع ووقود الثورات. مصر قد لا تحتمل ثورة جديدة.

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط