مِرآةُ شعبان عبدالرحيم ومِرآة النُّخب
منذ ظهور وصعود نجم شعبان عبدالرحيم وحالة القبول الجماهيرى التى حظى بها خصوصاً من البسطاء، وأنا أنظر اليه كظاهرة، ليس من باب التقليل من شأنه على الإطلاق، ولكن من زاوية نوعية جمهوره الذى يحرص على متابعته، هذا الجمهور قد ينتقده أو يتخذه مادة للسخرية والضحك، لكنه فى كل الأحوال يحرص على الالتفاف حوله، وهنا سرٌّ كان على الجميع أن يبحث عنه ويفك شفراته.
لماذا هذه الشريحة الكبيره التى تمثل أكثرية هذا الشعب تصر على التفكير بقلبها؟ ولماذا دائماً تنجح؟
جمعتنى أول واقعة مع شعبان عبدالرحيم فى عام 2000 أثناء تغطيتى لمعرض القاهرة للكتاب، وكنت وقتها أعمل فى قناة الشارقة الفضائية، وذات نهار ثقافى بامتياز عدت إلى الفندق بصحبة علامتين كبيرتين فى تاريخ الأدب العربى؛ الشاعر الكبير الراحل «محمود درويش» والمفكر الكبير الراحل «محمود أمين العالم»، وأتذكر حين وصلنا إلى مدخل الفندق لم نستطع المرور بسبب ذلك التزاحم الكبير، انزوينا جانباً نبحث عن مكان يَقبلنا!
لم يعرفنا أحد من هؤلاء المحتشدين، بل لم تشِ هيئتُنا بأى مصدر لتقدير أو لمعاملة مختلفة تجعلهم يسمحون لنا بالمرور.
جاهدنا ثلاثتنا حتى سلمنا أنفسَنا إلى السلم الكهربائى الذى أخذ على عاتقه مهمة إخراجنا من هذا الضجيج. حين ارتفعنا وعلونا على المشهد ظهر لنا سر هذا الاحتشاد، كان شعبان عبدالرحيم هو بؤرة التجمع والاهتمام.
وقتها انغلق القلب على غُصة، وصمتنا ثلاثتنا!
بعدها بشهر جمعتنى جلسة طويلة مع الراحل محمود أمين العالم، ورحت أذكره بالمشهد، فأطلق بهدوئه المُحرض على الفكر جملةً مهمة:
«علينا أن نبحث عن ذلك الشىء الذى يملكه (شعبان) يجعل الناس تلتف حوله، وعلينا نحن النخب والمثقفين أن نبحث عن ذلك الشىء الذى يجعل الناس تنفض عنا».
لا أذكر يوماً أننى نسيت جملة «العالم» التى وصلت إلىّ كحربة ارتشقت فى القلب وظلت تُحرضنى على الجرى خلف سرها. دارت عجلة الوقت حتى وصلت إلى واقعة أخرى جمعتنى بشعبان عبدالرحيم، الذى لم تنقطع لقاءاتى به، وفى كل مرة كنت أفتش فيه عن سر التفاف الناس حوله.
فى لقاء تليفزيونى جمعنى معه، وكان قد غنى أغنية يهاجم فيها «البرادعى»، فرحت أثبت له أن الرجل هو أيقونة الثورة المصرية وأنه عكس ما يقوله فى أغنيته، فأجابنى ببساطته وتلقائيته: «هما قالولى كده».
- هما مين؟
أجابنى: اللى باقعد معاهم على القهوة، اللى بيشبهونى.
اتصلنا بإسلام خليل، ملحن معظم أغانيه، فقال له إنه بيعتذر لـ«البرادعى»، لأنه اكتشف أنه ظلم الرجل، لذلك قرر أن يؤلف له أغنية جديدة ترد له الاعتبار، وراح «إسلام» يقرأ بعض كلمات الأغنية التى تمجد «البرادعى»، طلبنا من «شعبان» أن يغنيها فكانت المفاجأة حين رفض ذلك، لماذا؟ أجاب لأنه لا يثق إلا فى أولئك الذين يجلسون معه فى المقهى، وهؤلاء الناس يقولون بطريقتهم إن «البرادعى» بيقف فى زورهم، مش بيبلعوه، فيه حاجة واقفة بينهم وبينه.
وجاءت ثورة 30 يونيو العظيمة، وجاءت استقالة «البرادعى» المُريبة، وراحت النُّخب والمحللون يبحثون عن سر تغير «البرادعى» وكيف أنهم صُدموا فى تصرفات الرجل، وراح أيضاً شعبان عبدالرحيم يبتسم لمريديه البسطاء الذين يجلسون معه على المقهى الممتد على رصيف الغلابة غير عابئ بما يتقيؤه المثقفون والمتفذلكون.
نقلاً عن "الوطن" المصرية