.
.
.
.

"توم"... وكيري!

سعود الريس

نشر في: آخر تحديث:

لافروف وكيري يتفقان على تدمير السلاح الكيماوي السوري، ويواصلان مباحثاتهما لحل الأزمة السورية، ويتفقان على ضرورة الحل السلمي فيها، ويؤكدان أهمية مؤتمر «جنيف2»، قصة حب تجمع هذا الثنائي على أنغام الطائرات والمدافع وأزيز الرصاص بألوان رومانسية مغطاة بالأحمر في دولة كان يطلق عليها سورية. يتصافحان ويتباحثان ثم يتفقان فيقهقهان بعد ذلك يتعانقان، وما أن تطأ أقدامهما خارج القاعة حتى يتناحرا، أو هكذا يبدوان على الأقل، فالمسألة لا تعدو كونها تمثيلاً، فهناك من يصفق وينسجم ويتفاعل مع دور كل منهما.

لافروف وكيري هما أقرب مثال للثنائي «توم وجيري»، والمؤلم أن جوزيف باربيرا وشريكه ويليام هانا اللذين ابتكرا شخصيتي الرسوم المتحركة الشهيرتين تلك، أدركهما الموت قبل أن يدركا أن تلك الشخصيتين الكرتونيتين سيأتي من يجسدهما في ما بعد، وأيضاً لم يتسن لهما مشاهدة الثنائي على الطبيعة، وهما يمارسان الألعاب البهلوانية أمام شعوبهما وشعوب الدول الأخرى، لكن الفارق هنا بين الشخصيتين الكرتونيتين والشخصيتين الحقيقيتين أن الأخيرتين تمثلان كلتاهما الانتهازية والذكاء والاحتيال أيضاً، بعكس نظرائهما الكرتونيتين، فالأدوار مقسمة في ما بينهما، لكنهما «يا سبحان الله»! يخشيان على الشعب، كيري يخشى على الشعب من الأسد ونظامه وما تحت أيديهم من سلاح كيماوي، ولافروف و«يا للمصادفة»! يخشى على الشعب أيضاً، لكن ليس ذلك الشعب المهجر والقابع في الخنادق بل الشق الثاني الذي يقيم في القصور والمنتجعات، وما بين خوف الاثنين على الشعب وادعاءاتهما تتكشف خيوط مؤامرة تحاك من تحت الطاولة، لا يذهب ضحيتها إلا ذلك الشعب حالما يفترقان، بالضبط كما هو «توم وجيري» يبدأ كل واحد منهما للإيقاع بالآخر.

المسلسل السوري أبطاله هذه المرة عابرو القارات من موسكو إلى واشنطن، والسلاح الكيماوي هو الهدف، لكن حقاً إن كان هناك تخطيط لما حدث وما سيحدث، فهما يستحقان رفع القبعة على براعتهما، فالسيناريو بدأ باكراً بالحديث عن الخشية من وقوع الأسلحة الكيماوية في أيدي المتطرفين، وانتهى بخنوع النظام السوري، ليسلم سلاح المقاومة الذي كان يفاخر به، والمشهد لا يخلو من حبكة درامية، سقط فيها أكثر من 1000 شهيد، فتحولت القضية إلى ذلك الألف، وغُضّ الطرف عن أكثر من 119 ألف شهيد، الأحداث تتفاعل، فخرج علينا العاشقان كيري ولافروف بكل صفاقة، للحديث عن خطة للسيطرة على الأسلحة الكيماوية وتدميرها، السؤال الأبرز هنا، هو كم حجم القوات التي يحتاجها المجتمع الدولي أو على الأقل أميركا وروسيا اللتان تتصدران المشهد، لتنفيذ مثل هذا الاتفاق في بلد مضطرب، حكومته فاقدة السيطرة على أكثر من ثلثيه بحسب التقارير؟ بل كم من الوقت أصلاً ستحتاجانه؟ وهل سيغامر الطرفان بالزج بقواتهما بين نارين؟

لطالما كان النظام السوري يردد بأنه يتعرض لمؤامرة دولية، هناك بالفعل مؤامرة دولية، لكنها ليست موجهة للنظام كما يزعم، بل المؤامرة ضد الشعب السوري وتاريخه ومكتسباته، أما النظام فالمؤامرة تؤكد أنها لحمايته والحفاظ عليه، وإلا لما استمر حتى الآن في سدة الحكم، وبحلول العام المقبل 2014 سيترشح بشار للانتخابات الرئاسية، ولا تستغربوا أن يفوز بنسبة تتجاوز 80 في المئة، حينها سيكون ما تبقى من الشعب السوري مشرداً بلا مأوى، وستحل محله القوات الدولية بحجة تأمين الدولة والسيطرة على السلاح الكيماوي، وسيواصل العالم العربي اجتماعاته ومطالباته بحقن ما تبقى من الدم السوري، فيما الثنائي كيري ولافروف يواصلان عروضهما الهزلية وافتعال المقالب كل منهما على الآخر.

النتيجة التي يمكن التوصل إليها هي أن البطل الكرتوني «جيري» لدى انطلاقته في الحلقة الأولى كان يسمى جينكس (Jinx)، ومعناها بالإنكليزية «نحس»، وهذا ما ينطبق على صاحبنا «كيري» منذ توليه حقيبة الخارجية الأميركية!

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.