.
.
.
.

«ليونة» خامنئي بعد «انتصار» الأسد

زهير قصيباتي

نشر في: آخر تحديث:

إذا كان الروس اقتادوا النظام السوري إلى قفص المفتشين عن الأسلحة الكيماوية لتدميرها، فإلى أين يطمح مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي، أن يواكبه الرئيس فلاديمير بوتين ليجد له مخرجاً لمعضلة الملف النووي؟

حليف في القفص، مهما اجتهد الوزير سيرغي لافروف في البحث عن «أدلة» تدين المعارضة السورية بمجزرة «الكيماوي» في 21 آب (أغسطس). وإن كان اتفاق تدمير الأسلحة الكيماوية السورية يستعيد ملامح من تجربة نظام صدام حسين مع فِرَق التفتيش الدولية، فالأكيد أن ما يخشاه نظام الرئيس بشار الأسد هو إطلاق الاتفاق بداية مسار لتفتيته تدريجاً، أياً تكن مستجدات القتال مع المسلحين.

وإذا كان اتفاق لافروف - كيري اعتُبِر في إسرائيل جائزة رَبِحَتها حتى من دون أن تشتري بطاقتها، فالسؤال الذي يلحّ في طرحه استعجال العهد الإيراني الجديد (رئاسة روحاني) طلبَ تدخّل الكرملين لإيجاد تسوية سريعة للملف النووي لطهران، هو هل يكون نزع الأسنان النووية للجمهورية الإسلامية، الجائزة الكبرى التي سيقدّمها الى نتانياهو التفاهم الروسي - الأميركي؟

مثلما اعتبر النظام السوري رضوخه لسيطرة دولية على ترسانته الكيماوية «انتصاراً» مكّنه من تفادي الخيار العسكري الأميركي - وفي ظل وجود الأساطيل الروسية في البحر المتوسط - لا بأس أن يبادر المرشد علي خامنئي الى تهيئة الإيرانيين، و «الحرس الثوري» خصوصاً، لقبول «الليونة البطولية» في المفاوضات مع الدول الست. بديهي أن إيران ليست سورية التي تستبيحها حروب النظام مع المعارضين المسلحين، ويتقاسمها مع عشرات الفصائل المقاتلة، كما من المبالغة القول بخشية طهران من ضربة عسكرية إسرائيلية وشيكة لإغلاق الملف النووي.

والحال أن الوقائع الإيرانية على مدى عمر الثورة والحرب في سورية، وقبلهما فصول العقوبات الأميركية والأوروبية على طهران، هي التي تقود خامنئي إلى تجرّع كأس «الليونة البطولية» المرّة في المفاوضات القريبة مع الدول الست (الخمس الكبرى وألمانيا)، فيما يدرك هو ومعه الرئيس حسن روحاني أن الغرب حسم خياره برفض أي تردد أو تلكؤ أو مماطلة من طهران في الرد على مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

الأسد يذكّر بصدام؟ لا غزو لسورية، ولا واشنطن أو الغرب عموماً راغب في رؤية جنوده عالقين في رمال «جبهة النصرة» وحلفائها. هي عملية تفكيك «بطيئة» لما بقي من أدوات وأوراق للنظام، وبما يستجيب أولاً متطلبات أمن إسرائيل الذي ترعاه «المصالح» الأميركية.

وإن كانت كأس خامنئي تذكِّر ايضاً بالكأس المرّة التي تجرّعها الخميني لدى قبوله بوقف النار مع عراق صدّام (1980- 1988)، فأكلاف رعاية الحليف السوري (مالياً وعسكرياً) منذ العام 2011، ضاعفت وطأة حبل العقوبات على عنق طهران، إلى الحد الذي دفع المسؤول الإيراني السابق سيد حسين موسويان المقرّب من روحاني الى الحديث عن «فرصة استثنائية لإنهاء عقود من العداء المتبادل» مع واشنطن.

بعض المتفائلين بـ «الليونة البطولية» يتوقع تطبيع العلاقات الديبلوماسية بين طهران وواشنطن على مراحل تبدأ بنزع فتيل المواجهة في الملف النووي، فيتسنّى للرئيس باراك أوباما تنفيذ وعوده لإسرائيل من دون إطلاق رصاصة واحدة، ويُنقَل اليورانيوم العالي التخصيب من إيران الى روسيا، ويُرفع سيف العقوبات. في السياق ذاته، يترجم هؤلاء «رسائل» خامنئي وروحاني الى «الحرس الثوري» بعبارة «حان وقت التسوية». فإيران استنفدت الورقة النووية الى أقصى حد، ولأكثر من عقد، وما تسميه إسرائيل «قوس الخطر» الاستراتيجي الذي «يمتد من طهران الى دمشق وبيروت»، يتداعى بكل ما نجم من نتائج مأسوية للحرب في سورية، خصوصاً صدمة السلاح الكيماوي في الغوطة. فلا دمشق قادرة على حشد حلفائها لدعم طهران في أي مواجهة تندلع مع الغرب، ولا إيران يمكنها ضخ المزيد في شرايين دعم النظام السوري لإنقاذه. «كيماوي» الغوطة غيّر قواعد اللعبة، فباتت الحاضنة الإيرانية- الروسية عاجزة عن إخراج هذا النظام من قفص المفتشين ولعبة الأمم.

لن يعني ذلك توقُّع انهيار وشيك لنظام الأسد، ولا إقدام خامنئي على توقيع صك استسلام للغرب. المواجهة الروسية - الأميركية تعود الى قاعة مجلس الأمن، لكنّ دمشق لن يمكنها الرهان عليها للتملص من التزاماتها أمام الأمم المتحدة التي تعد ملفات لتضخيم القفص. ولا يبدّل في ذلك استعداد موسكو لإحباط أي مشروع قرار دولي يلوّح بالفصل السابع، فيما التجربة السورية قد تثير مخاوف المحافظين في إيران من نهاية وخيمة لوضع كل أوراق «النووي» في سلة الكرملين.

الأكيد، على هامش المعركة الديبلوماسية المحتدمة بين واشنطن وموسكو، أن سباحة الوزير لافروف «عكس التيار» بعد اتفاقه مع كيري على تدمير «الكيماوي» السوري، هي جزء من لعبة الأمم، على طريق صفقة الكبار. وأما عودة الإشارات الإسرائيلية المتضاربة حول مصير نظام الأسد، فلعلّ وقعها في طهران يتجاوز كثيراً أصداءها في دمشق، حيث تطغى إلى حين طبول «الانتصار» على السقوط المريع لمنظومة رعاية الاستبداد من أجل صدّ «المؤامرة».

يصارع خامنئي، يسبح لافروف، ونظام دمشق لا يصدّق ما يسمعه من أصداء تحولات الضربة «الكيماوية».

نقلاً عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.