في الإستراتيجيات الكبرى والحروب الأهلية

مصطفى زين
مصطفى زين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

اعتمدت الولايات المتحدة أيام الحرب الباردة السابقة ثلاث دول أساسية في الشرق الأوسط في التصدي للمد الشيوعي والقومي. كانت تركيا خط الدفاع الأول في مواجهة الاتحاد السوفياتي، وإيران الشاه، شرطي الخليج، كانت الاحتياط الإستراتيجي في أي حرب تشنها إسرائيل على ما عرف بدول الطوق العربية. أما الدولة العبرية فكانت، وما زالت، رأس الحربة في أي مواجهة.
في المقابل، كانت سورية ومصر والعراق، بالنسبة إلى الاتحاد السوفياتي، دول مواجهة. مصر بعمقها الأفريقي وتأثيرها في بلاد الشام، وقد ساعدت دولاً كثيرة في التحرر من الاستعمار والانتماء إلى فلك موسكو، فضلاً عن كونها، مع الهند، كانت ركناً أساسياً من أركان دول عدم الانحياز. وكان لها دور في المواجهة بين نيودلهي وإسلام آباد وهي الحليف الأميركي الأساسي في آسيا.
اليوم تغيرت التحالفات كثيراً. صحيح أن تركيا ما زالت على موقفها من الولايات المتحدة، لكن طموحاتها أصبحت تتعدى التصدي للمد الشيوعي. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بدأ إسلاميوها يطمحون إلى استعادة أمجاد السلطنة في الشرق الأوسط وفي آسيا الوسطى، أي على الحدود الروسية مباشرة. وتحولت بلاد الشام في نظرها إلى مجرد ولايات تابعة لأنقرة. وهي تخوض حرباً، مباشرة وبالواسطة، في سورية المعرضة للتقسيم على أساس طائفي يحكمها قانون الملل والنحل.
أما إيران فبعدما كان تأثيرها مرتكزاً على أساس قومي، أو يساري ويميني، في تعبير تلك الأيام، فقد أصبحت في زمن الثورة في مكان آخر، ولديها طموحاتها في أن تكون دولة عظمى. واستطاعت مد نفوذها من العراق إلى لبنان، مروراً بسورية وفلسطين، فضلاً عن محاولاتها استعادة مكانة الشاه عندما كان شرطي الخليج.
مصر هي الوحيدة التي لم يعد لها تأثيرها الذي تمتعت به أيام عبد الناصر. وقد أحدث انعزالها، منذ توقيع اتفاقات كامب ديفيد مع إسرائيل، اختلالاً كبيراً في التوازن بين القوى. وكان لذلك تأثير مباشر في ما شهدته وتشهده المنطقة من هجوم أميركي ترجم حروباً إسرائيلية في فلسطين ولبنان.
وسط هذا التعقيد الجيواستراتيجي تعيش شعوب المنطقة حروباً أهلية طائفية باسم الدين والمذهب والطائفة. وأكثر ما يحزن المراقب أن اللاعبين الصغار، وبينهم مثقفون، يعتقدون بأن وصولهم إلى السلطة، على دماء الآخر، سيقلب كل الموازين. هكذا يتصور اللبنانيون، مثلاً، أن الفتنة من عبرا، قرب صيدا، إلى معراب، ومن طرابلس إلى صور، مروراً بكل المناطق ستجلب لهم الديموقراطية والكرامة. ويتصور السوريون، إسلاميين وغير إسلاميين، أن السيطرة على أعزاز قرب الحدود التركية، وعلى الغوطة أو اللاذقية سيعود بهم إلى أيام الخلفاء الراشدين. وهؤلاء وأولئك ليسوا سوى أدوات يخدمون اللاعبين الكبار الذين لا يبالون بدمائهم.
اللاعبون الكبار يتصارعون لإقامة نظام عالمي جديد. وقد أصبح بالإمكان، من دون مجازفة كبيرة، تصور هذا النظام ينبثق من الحروب على سورية وفيها، ومن مأساة السوريين المستمرة منذ سنتين ونصف السنة. وعندها لن يعود مهماً من يحكم هذا البلد بعد تدميره وإبعاده عن التأثير في الإستراتيجيات الكبرى، إذا بقي بلداً موحداً. وسيمر زمن طويل قبل الوصول إلى هذه المرحلة. زمن مليء بمفاجآت وحروب أهلية تبدت بكل عنفها في العراق وفي بلاد الشام. ولن تكون إيران وتركيا في منأى عنها طالما أنها تخاض باسم الدين.


*نقلاً عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.