هل يقدم «27» جديداً لإيران؟

سلطان محمد النعيمي
سلطان محمد النعيمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

قد يتساءل القارئ منذ أول وهلة تقع فيها عيناه على هذا المقال، ما هو المغزى من هذا الرقم؟ هل دلالته تشير إلى رقم في عالم الاقتصاد، أم هو دلالة لتاريخ، أم ماذا؟
الحقيقة أن هذا الرقم يكتسب أهمية تنطلق من إيران، لتعبر المحيط الإقليمي وترقبه له، لتستقر عند المستوى الدولي. التفاؤل الحذر من المجتمع الدولي والترقب لهذا الرقم، جاء بعد أجواء الاعتدال التي تزامنت مع البرنامج الانتخابي لروحاني ووصوله إلى سدة الحكم. إنه اليوم الذي يصادف أول اختبار حقيقي لحكومة روحاني. تلك الحكومة التي نادت بالاعتدال والتعاطي مع الخارج. إنه موعد استئناف المباحثات بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع إيران حول برنامجها النووي.
إنه 27 سبتمبر 2013 موعد الاجتماع الحادي عشر، بعد أن دارت الاجتماعات السابقة منذ 2012 في حلقة مفرغة دون التوصل إلى حل يذكر.
وحتى يكون استقراؤنا لنتائج تلك المباحثات أكثر واقعية، فإنه يتوجب علينا العودة بالتاريخ للوراء قليلاً لنرى مطالب وتوجهات كلا الطرفين في المباحثات السابقة، ومدى تأثيرها على المباحثات القادمة. بالإضافة إلى كيفية استقراء مجرة النظام الإيراني إلى الوضع الداخلي والإقليمي وتأثيره على تلك المباحثات.
وليتذكر معي القارئ هذا السؤال الذي سنجيب عليه لاحقاً: ما هو مدى قوة وتأثير مباحثات إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالمقارنة مع مباحثات إيران مع 5+1 حول ملفها النووي؟
بداية وبالعودة إلى المباحثات الأخيرة بين الوكالة الدولية وإيران، تظل التباينات الجوهرية بين الطرفين سبباً رئيسياً لعدم تحقيق نتائج ملموسة. ففي الوقت الذي تطالب فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران بالسماح لها بتفتيش موقع «بارشين» العسكري للاشتباه فيه، تأتي إيران لتعارض هذا الأمر بوصفه موقعاً عسكرياً ولا يحق للوكالة الدولية تفتيشه. بالإضافة إلى هذا الأمر تجد إيران أن مطالب الوكالة الدولية المتعلقة بالوصول إلى عدد من الأماكن بالإضافة إلى الأشخاص المعنيين بالبرنامج النووي الإيراني يجب أن تكون لمرة واحدة فقط، وأن يأتي ما ستقدمه إيران ضمن صفقة متكاملة مؤطرة بتوقيت محدد.
وهذا التباين دفع بتلك المفاوضات إلى طريق واحد وهو الفشل الذي أعرب المدير العام للوكالة عن ملله إزاءه مؤكداً أن المباحثات تدور في حلقة مفرغة.
والمؤشرات قبل تاريخ 27 سبتمبر تأتي على النحو التالي: إيران وفق تقرير الوكالة الدولية الأخير، تواصل تركيب أجهزة الطرد المركزي بحيث أصبحت تمتلك 1008 من أجهزة الطرد المركزي المتطورة، بزيادة تبلغ 698 جهازاً منذ شهر مايو. زيادة في عدد أجهزة الطرد نوع «أي آر-1» في «نطنز» بحيث أصبح عددها 15416 مقارنة مع 13555 قبل ثلاثة أشهر. وقد سعى مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال اجتماعه الأسبوع المنصرم إلى تخفيف اللهجة المستخدمة مع إيران لإعطاء مساحة من التشجيع والتحفيز للحكومة الإيرانية الجديدة وتوجهاتها المعتدلة.
وفي المقابل هناك العديد من الرسائل القادمة من الجانب الإيراني تعطي مؤشرات إيجابية لما هو قادم في تلك المباحثات، فحسن روحاني أكد مراراً سعيه إلى الانفتاح على الخارج إيماناً منه بأن حل الإشكاليات في إيران ولاسيما الوضع الاقتصادي، لا يمكن أن يكون بمعزل على العلاقات الخارجية لإيران. وفي السياق نفسه أكد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ضرورة وجود إرادة سياسية وعزم جاد لحل وتسوية هذه القضية. ويأتي بالطبع التأطير المباشر لهذا التصريح كي لا يخرج عن السياق الذي أراده ظريف بحيث لابد من وجود إرادة سياسية جادة للاعتراف رسمياً بالحقوق النووية المشروعة لإيران.
خروج الملف النووي الإيراني من أروقة المجلس الأعلى للأمن القومي إلى أروقة وزارة الخارجية أمر يجده البعض مشجعاً. ولكن مهلاً... إن كنا نتحدث عن الشكل فهذا صحيح، أما فيما يتعلق بالمضمون، فتأثير مجرة النظام الإيراني والقوى المؤثرة فيها ستبقى كما هو عليه فالثوابت الإيرانية في برنامجها النووي لا يزايد عليه أبداً، وما يحكمها هو مصلحة النظام بعد استقراء الوضع الداخلي وكل من الإقليمي والدولي.
والجدير بالذكر هنا أن المؤشرات الإيجابية التي تسبق 27 سبتمبر، بالإضافة إلى اللقاء المرتقب بين ظريف والممثل الأعلى للشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، تقابلها حقائق لابد للقارئ من أخذها بعين الاعتبار في استقرائه لنتائج هذه المباحثات. فمباحثات إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية تأتي في إطار المستوى الفني الذي يتعلق بالمراقبة على المنشآت النووية والتأكد من سلمية البرنامج وخلوه من الأبعاد العسكرية وغيرها. وبذلك تأتي نتائج تلك المباحثات بوصفها إما عاملاً مساعداً للوصول إلى تفاهمات جادة، أو معرقلة لذلك وليس محطة للحل الجذري لهذا الملف.
وإذن فمباحثات 27 سبتمبر لا تعتبر المحطة الأخيرة في البرنامج النووي الإيراني، بل تأتي مباحثات إيران مع 5+1 بوصفها فصل الخطاب فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
أجواء إيجابية وتصريحات ترحيبية مشجعة من قبل الطرفين، يواجهها واقع من الصعوبة غض الطرف عنه وتجاوزه لأنه بلاشك حجر الأساس لنجاح تلك المباحثات. وهذا الواقع يتمثل في مطالب تصل إلى حد التناقض بين الطرفين وهو أمر لن يتحقق سوى بتقديم التنازلات من أحدهما أو كليهما. فزيارة موقع «بارشين» العسكري طريق شائك ووعر أمام مفتشي الوكالة الدولية، وتقرير إيجابي عن البرنامج النووي الإيراني صعب المنال مع استمرار التعنت الإيراني في تنفيذ المطالب التي يؤكد النظام الإيراني على تلبيتها في السابق.
وبين هذا وذلك يأتي عامل الثقة ليلعب الدور الرئيس في حلحلة هذا الوضع. فطالما أن النظام الإيراني يرى أن هذه الوكالة مسيّسة من قبل القوى الغربية، وطالما أن هذه الوكالة مستمرة في شكوكها فيما يتعلق بالبعد العسكري للبرنامج النووي الإيراني، سيظل الوضع يراوح مكانه، ويدفع بدوره المنطقة والمجتمع الدولي إلى حالة الانتظار والترقب لنتائج ملموسة تدفع بدورها واحدة من الإشكاليات في منطقة تسعى دولها ولاسيما دول الخليج العربي إلى تحقيق السلم الذي يكفل التنمية المستدامة وعلاقات حسن الجوار بين دولها وشعوبها.


*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط