.
.
.
.

عزيزي لبنان!

حسين شبكشي

نشر في: آخر تحديث:

سألني صديق لبناني: «لماذا تضغط علينا دول الخليج العربي بهذا الشكل؟». فنظرت إليه بدهشة واستغراب وأجبته: «هل أنت جاد بسؤالك أم أنك تحاول إلقاء نكتة؟». قال لي: «بل جاد جدا». قلت له لا يمكن أن تكون جادا وأنت تنظر إلى أعراض المشكلة من دون التعرض لأصل المسألة من جذورها.

دول مجلس التعاون الخليجي تحتاط على أمنها الداخلي من فصيل إرهابي بات عابرا للحدود، يمنح امتيازه الـFranchise لفروع له في كل مكان، فحزب الله خطف البلاد باسم شعار المقاومة وتحول إلى ميليشيا مأجورة تدافع عن طاغية ونظامه المجرم، وناشر للإرهاب في مناطق مختلفة حول العالم، هو الذي تحول إلى فزاعة تهدد زوار لبنان وعن طريق «أزلامه» المدججين بالسلاح والعتاد يرهبون اللبنانيين قبل غيرهم، سواء أكان من «استقبال» مليء بالمضايقة في المطار «المحتل» والذي لا يمثل كافة لبنان، أو من خلال مظاهر ومناظر الطرقات القريبة من المطار والمليئة بأعلام غير لبنانية وصور لزعامات وشخصيات غير لبنانية، وكأن المرء قد نزل في قم أو القرداحة، لا وجود لذكر وصور لزعامات وطنية لبنانية أصيلة مثل رياض الصلح وبشارة الخوري وكميل شيمعون ورفيق الحريري وحسين الحسيني؟

لبنان محتل، وقبل أهله أن يُحتل، وتغاضوا وسايروا وجاملوا حتى تحول «حزب» إلى دولة داخل دولة، لا يكترث بالدولة ولا أمنها ولا جيشها ولا حكومتها ولا سياساتها المعلنة؛ يعطل تشكيل الحكومة عمدا، ولا يعبأ بتعليمات رئيس الجمهورية ولا رئيس الوزراء بخصوص سياسة النأي بالنفس، وغيرها من المواقف التي توضح أن حزب الله «مصمم» على خطف لبنان بلا رجعة، وأن المقبل مذهل أكثر، ولا يمكن أن يُطالب السعوديون أن يكونوا لبنانيين أكثر من اللبنانيين أنفسهم.

هناك حالة من الحزن والغضب لدى الكثير من السعوديين على ردة فعل لبنان تجاه مواقف السعودية والشعب السعودي.. السعودية التي دعمت لبنان واستقلاله وكرامته على مر السنين، وساهمت في إخراج لبنان من الحرب الأهلية باتفاق الطائف الذي حصل على أرضها، وسياسة إعادة إعمار لبنان مع الراحل الكبير رفيق الحريري، وإخراج الجيش السوري من لبنان، ومحاولة رأب الصدع بين الأطراف اللبنانية المختلفة والعون الاقتصادي والدعم اللامحدود سياسيا.

أعتقد أنه آن الأوان لأن يكون للبنانيين اهتمام جاد ببلادهم بقدر اهتمامهم بالكثير من تحديات الحياة التي يبرعون ويبدعون فيها، ولكن بلادهم أولى أن يهتموا بها ويدركوا السرطانات التي تنهش في أجسادها بشكل خطير.

لبنان بحاجة لأن يحتضن اللبنانيين بشكل حقيقي، لا أن يوكلوا أمرهم لغيرهم فيكونوا أدوات في أيدي الغير لتحقيق مآربهم وغاياتهم وأهدافهم، وهي ليست بالسرية ولكنها معلنة ومعروفة جدا. إذا ارتضى اللبنانيون أنفسهم بأن تخطف بلادهم وتعطل حكومتهم وتهادن دولتهم وتحقر سياساتهم، فهذا لعمري كارثي ومعيب، وإن لم يرتضوا فهم لم يفعلوا شيئا بشأن ذلك. كل ما أعرفه أن لبنان لا يحب بالأغاني والشعارات، وأننا إذا غنينا معه ذات يوم «بجنونك بحبك» فليس معنى ذلك أن يكون الجنون هو سياسة حكم، وغنينا يوما معه «راجع يتعمر»، وما زلنا في انتظار عمارة المواطن وعلاقته بالوطن، وحتى هذا التاريخ ربما سيحذر أهل الخليج كثيرا من لبنان والعودة إلى ما كانوا عليه قديما معه.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.