.
.
.
.

"إسرائيل" وأمريكا وإيران النووية

عصام نعمان

نشر في: آخر تحديث:

تبادل باراك أوباما وحسن روحاني كلاماً ملطفاً عشية حضورهما مؤخراً افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لكنهما لم يلتقيا . ثمة أمور كثيرة ما زالت عالقة بين أمريكا وإيران، وبعضها معقد، بل شديد التعقيد، ما يحول دون حلحلة هذه الأمور بلقاء سريع . اللقاء، أساساً، يكون تتويجاً للقاءات أخرى سبق أن أجراها مسؤولون أدنى رتبة لدى الطرفين وتوصلوا بنتيجتها إلى اتفاقات أو مداخل آمنة لتسويات قابلة للحياة . اللقاء عندئذٍ يكون لتكريس ما جرى الاتفاق بشأنه .

أوباما بدا متفائلاً بلهجة الاعتدال الجديدة التي يعتمدها روحاني وباحتمالات الخيار الدبلوماسي والخوض فيها بما قد “يفتح الباب أمام علاقة مختلفة قائمة على المصالح والاحترام المتبادل” . روحاني أكد سلوكية الاعتدال التي تنتهجها إيران بعد انتخابه رئيساً، وبدا مستعداً لتبديد هواجس الولايات المتحدة حول برنامج بلاده النووي، مع تأكيد حقها في امتلاك القدرة النووية السلمية، وحرصها على بناء علاقة مع أمريكا من خلال الاحترام المتبادل وبعيداً عن لغة التهديد باللجوء إلى القوة .

بنيامين نتنياهو لم تعجبه لهجة الرئيسين . بدا قلقاً من احتمال تقارب بين أمريكا وإيران يكون على حساب “إسرائيل” . لذا سارع إلى تطويق تصريحات روحاني المعتدلة بالقول إنها “يجب ألا تخدع العالم ولا تصرف نظره عن ضرورة كبح البرنامج النووي الإيراني” .

لم يكتف نتنياهو بهذا التحذير . قال إنه سيجتمع إلى الرئيس الأمريكي أواخر الشهر الجاري عشية خطاب سيلقيه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليؤكد له أن كبح البرنامج النووي الإيراني مرهون بتلبية طهران الشروط الآتية: أولاً، وقف عمليات تخصيب اليورانيوم بصورة تامة؛ ثانياً، إخراج اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية؛ ثالثاً، إغلاق المفاعل النووي الإيراني في قم؛ رابعاً، وقف إنتاج مادة البلوتونيوم . أكثر من ذلك، شدّد نتنياهو على أن التهديد بتوجيه ضربة عسكرية هو السبيل الوحيد الكفيل بإنجاح أي عملية دبلوماسية ترمي إلى وقف تزوّد إيران بأسلحة غير تقليدية .

طهران لن توافق على هذه الشروط . وواشنطن تعرف ذلك ولا تذهب مذهب “إسرائيل” في تشددها غير المعقول وغير المقبول . ويبدو أنها تصدّق تعهد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي بعدم صنع أسلحة نووية وحيازتها . كما تبدو مستعدة لمفاوضة طهران حول مسألة خفض نسبة تخصيب اليورانيوم أو، في الأقل، تجميدها عند رقم ال 20 في المئة، وإغلاق بعض المفاعلات النووية، وقبولها بإخضاع بعضها الآخر إلى الرقابة والتفتيش الدوليين .

من الواضح أن ما يُذاع ويُشاع حول تنازلات إيران في المجال النووي هو من قبيل التكهن . ذلك أن لطهران شروطها عند البحث في قيود على برنامجها النووي . مجلة “دير شبيغل” الألمانية نشرت تقريراً يفيد أن الرئيس الإيراني على استعداد لوقف عمليات تخصيب اليورانيوم في منشأة فوردو في مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على بلاده، وأهمها السماح بتصدير النفط الإيراني، ورفع القيود المفروضة على المصرف المركزي الإيراني .

هذه التكهنات تضاعف مخاوف نتنياهو من احتمال عقد صفقة بين واشنطن وطهران تُصبح “إسرائيل” بعدها وحيدة في مواجهة إيران . ويزيد من حرج رئيس حكومة “إسرائيل” ما يقوم به روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، ولاسيما لجهة التغريدات التي يطلقانها على موقع “تويتر” . فقد تقدّما بالتهنئة من اليهود برأس السنة اليهودية، وعدم إنكارهما للمحرقة (هولوكوست) خلافاً للرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، ثم تصريحات روحاني التصالحية بشأن استعداد إيران لإبداء مرونة في معالجة أزمة البرنامج النووي الإيراني، ودعوته الحرس الثوري إلى عدم التدخل في السياسة، واطلاق عشرات المعتقلين من أنصار المعارضة .

ما سر التباين بين موقفي واشنطن وتل أبيب بشأن “إيران نووية”؟

من الواضح أن الولايات المتحدة، كدولة كبرى تمتلك أعظم القدرات النووية، لا تخشى تحوّل إيران دولة قوية بقدرات نووية عسكرية لأنها قادرة على ردعها، وبالتالي في مقدورها التعايش معها . لكنها تخشى من فائض قوة إيران على “إسرائيل” . صحيح أن السلاح النووي لم يستعمل قط بعد قيام أمريكا بقصف مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين العام ،1945 لكن تملّك السلاح النووي يعطي الدولة المالكة هيبة وسطوة ونفوذاً وقدرة إضافية تمكّنها من فرض سياستها ومصالحها على الدول المجاورة . لذلك تسعى واشنطن إلى الضغط على طهران لحملها على القبول بقيود وضمانات من شأنها طمأنة العالم، ولا سيما الدول المجاورة، إلى أن قدراتها النووية سلمية، وأن ليس لديها من المفاعلات والتجهيزات ما يمكّنها من تصنيع قنبلة نووية .

فيما تبدو أمريكا ضد قنبلة إيران النووية، تحرص “إسرائيل”، في المقابل، على أن تكون ضد إيران سواء تملّكت قدرات نووية أو لم تتملك . “إسرائيل” لا تريد إيران قوية بقدرات علمية وتكنولوجية متقدمة لأن من شأن فائض القوة الذي تمتلكه أن ينعكس عليها سلباً، بشكل أو بآخر، في مختلف الميادين . لذلك ترفض “إسرائيل” الاكتفاء بكبح البرناج النووي الإيراني، بل تريد إلغاءه بالكامل، وبالتالي تدمير المفاعلات والتجهيزات النووية الإيرانية كلها على نحو يؤدي إلى تحجيم إيران وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل 40 سنة .

واشنطن لا تشعر بأن إيران تشكّل، في الوقت الحاضر والمستقبل المنظور، تهديداً لأمنها القومي . لذلك فهي لا تجاري “إسرائيل” في الدعوة إلى تدمير إيران، خاصة وأن ذلك يتطلب حرباً ضارية ومدمرة لا تبدو الولايات المتحدة (التي ما زالت تعاني أزمتها المالية والاقتصادية) وحلفاؤها قادرين على تحمّل تكلفتها البشرية والاقتصادية الباهظة .

“إسرائيل” لن تألو جهداً في حمل الولايات المتحدة على تغيير موقفها والذهاب مذهبها في محاربة إيران . لكن الأرجح أنها ستبقى وحيدة في تسويق مطلب الحرب .

نقلا عن صحيفة "دار الخليج" الاماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.