حرب الطوائف في العراق إلى أين؟
هل يشهد العراق حرباً طائفية جديدة؟
لعل هذا السؤال يُعيد للأذهان حجم ونوع الخوف والهلع خشية أن يقتتل العراقيون مرة أخرى، تحت وابل التحريض الرهيب الذي تسعى إليه القوى المتنافسة والمتصارعة في داخل السلطة وفي خارجها على كل شيء عدا المصلحة العامة، وهي من دون شك تعيد للأذهان "الأعوام السود" التي كبدت العراقيين آلاف الضحايا من الواقفين بين النيران وتقاطعها شاءوا أم أبوا.
"الحرب الطائفية " التي بلغت ذروتها عام 2006 حين تفجير المرقدين العسكريين في سامراء، التي أجّجت نار الفتنة بين السنة والشيعة بتحريض مخيف من قوى باتت معروفة المرامي والنوايا والاستهداف، حتى تمكنت فيما بعد من فرض أجنداتها واختطاف مكونات تلك الطوائف وأصواتها وفرض حالة التقابل مع بعضها، التي تعايشت "بمظلومية" وبغير "مظلومية" مئات السنين، بل كان عقلاؤها يوجهون أتباعهم (نم مظلوماً ولا تنم ظالماً)، وأشاعت ثقافة الطائفة والمكون ومفهوم الاستحقاقات على وفق آثره لم يشهدها العراق من قبل.
وإذا كان البعض يسوّغ ذلك حينه أنه نتاج إرهاصات الاحتلال التي تفرض قوانينها على الشعب المحتل وتسعى لتغيير الرأي العام الى وجوب الإقرار بأن ثمة "عملية سياسية" في طور التأسيس فإن الأيام التي تلت كشفت أموراً أخطر مما يتوقعه المجتمع العراقي الذي ما كان يعرف أن وراء كل ما جرى أن "يطرق المجتمع "على نار حامية ليغير قناعاته الوطنية ويبدّل خياراته وينقل بندقيته من كتف الى آخر!
هل اكتفى المتربصون بالعراق شعباً وقضية و"وظيفة حضارية" من مسلسل "القتل الجماعي" اليومي الممنهج والمستمر وتزايد أرقام الضحايا يوميا؟ مئات، من الشيعة والسنة والمسيحيين والعرب والأكراد والتركمان واليزيديين وغيرهم، حتى إقليم كردستان الذي كنا نقول إنه واحة الأمان والسلام لم يسلم من المهاجمة والاستهداف والقتل، حتى تكاد تصنف ما يجري بأنه "مباراة دموية منسقة لتدمير العراق" بل عنف تقوم به "مافيا دولية" تتحكم بكل مفاصله وتدخل المفخخات والأحزمة الناسفة والسيارات الملغومة والأسلحة المختلفة بوجود مليون رجل أمن وبميزانية عامة تبلغ مئة وعشرين مليار دولار أميركي مقتطع منها ستة وعشرين مليارا للأمن وحده؟!
وإذا كان الوصف الذي أطلقه رئيس الوزراء المالكي الذي وقع مع نخب سياسية للتو على وثيقة السلم الأهلي أو و"ثيقة الشرف" لم يتوان الحديث عما سمّاه بـ"بيني وبينهم بحرا من الدم" ويقصد خصومه، من العراقيين، أن ذلك يصعد من وتيرة العنف الذي أثبت انه يتصاعد الى اللامعقول من قدرة الاختراق وقدرة إيصال المفخخات الى قلب النقاط الحيوية في عموم البلاد ويجعل الأطراف المتقابلة لا تتوانى عن التصعيد العسكري والسياسي.
الحقيقة التي ينبغي أن يواجهها العراقيون أن دولتين في العراق تتقاتلان واحدة تريد "اجتثاث "الأخرى أو تعطلها مهما كلف الأمر، وهذا يخسر العراقيون حياتهم وأمنهم ومستقبلهم، دون أن يرعووا من دروس الماضي ومن عشرات الاحتلالات التي مرت بهم دون إدراك للسلم الأهلي وقدرة مواجهة النفس بشجاعة وإدراك أن الحكم لا يعرف إلا طريقا واحدا وهو الشراكة والتسامح مع الآخرين وأن الخصومة السياسية تناقش في البرلمان.