القاهرة وواشنطن والمواجهة المكشوفة!

محمد رشيد
محمد رشيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

القرارات الأخيرة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، بتجميد المعونة والقروض الأمريكية لمصر، وإرجاء تسليم الطائرات والأسلحة الثقيلة، تدفع بالأزمة بين البلدين إلى حافة خطيرة، تتخطى حدود الضغوط التقليدية المقبولة بين الحلفاء، لتبلغ معايير معركة مكشوفة، وربما شرسة، بين أصدقاء الأمس، بعد أن تفرقت بهم السبل.

نبرة البيانات الأمريكية تعكس "عصبية" ومقاومة ضارية، لطموحات وأهداف ثورة الشعب المصري في 30 يونيو، وتكشف وجها أمريكيا "عنجهيا" قبيحا، يحاول أن يخفي تحت سطح الكلام المنمق، الكثير من الغباء والضعف الأمريكي، بعد أن كان الرئيس باراك أوباما نفسه قد بدا رقصته بـ "الحنجلة"، خلال خطابه أمام الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي.

الخطير في الأمر، هو ما رافق تلك القرارات من شروط سياسية، بوجوب ضم الجميع إلى الحكومة القادمة، وكذلك اختيار التوقيت، حيث يخوض الجيش المصري معركة شرسة مع الإرهاب المتعدد الجنسيات والأهداف، معركة لم تعد حصرا على شبه جزيرة سيناء، بعد أن تمددت تلك المجموعات وانتشرت، لتضرب وتفجر في كل مدن مصر الكبرى، بل ضربت ثلاث مرات داخل العاصمة في غضون أقل من شهر.

ربما أيضاً بات ملحا النظر بتعمق في توقيت إعلان تلك القرارات. التوقيت أمر قد يعكس استدارة تدريجية خفية للتوجهات الأمريكية، في الشرقين الأدنى والأوسط، في ظل "تبريد" أمريكي واضح على الجبهة السورية، وانفتاح أمريكي غير مسبوق على إيران، يتصاحب مع "هرولة" عواصم الغرب نحو طهران، كما أن تلك القرارات تأتي بعد زيارة بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل إلى واشنطن.

إن كانت تلك القرارات قد وضعت العلاقات المصرية الأمريكية على صفيح ساخن مجددا، فإنها تحتم على الجانب المصري إعادة "استطلاع" طريق علاقاتها مع واشنطن، ووضع علامات مميزة في كل متر، وعلى رأس كل ساعة، وربما وجد الفريق عبدالفتاح السيسي نفسه في مواجهة مبكرة، مع استحقاقات سيادية تتخطى الكرامة الشخصية للجنرال، إلى متطلبات الكرامة والأمن القومي المصري.

ابتداء من لحظة إعلان تلك القرارات الأمريكية، أصبح الفريق أول عبدالفتاح السيسي، أمام تحديات مكشوفة، تحتم اختيار موضع قدمه بدقة شديدة، وبميزان من ذهب، فلا السياسة الدولية تحتمل "لعبة" العواطف، ولا المشاعر الشعبية المصرية المتفجرة، تحتمل أو تتفهم" لغة" المصالح، فإما أن يكسب "الجنرال" من أمريكا ليخسر من شعبه، أو يخسر "البطل" من أمريكا ليكسب من شعبه، وتلك حقيقة داهمت الرجل مبكرا بعض الشيء.

خيارات السيسي محدودة هذه المرة، وكفاءته الفكرية والعسكرية، قد لا تعينه على توسيع هامش المناورة، لاحتواء الموقف الأمريكي، وحتى إن فعل ونجح فليست لديه ضمانات كافية، أن لا يرتد ذلك الاحتواء على سمعته الوطنية الواسعة، لأن المواطن المصري المليء اليوم، بالحماسة والاندفاع والروح الوطنية المتأججة، بات مسكونا بصورة البطل وهو يحلم بزعيم مصري تاريخي آخر، يقف ليقول لإدارة أمريكية أخرى "طز" في معونتكم، وهي مردودة عليكم على "جزمة" شهيد أو طفل مصري.

شخصيا أثق بالرجل، ومثل الملايين غيري، أرى فيه أملا ربما وحيدا، لدولة عظيمة مثل مصر، وشعب مدهش مثل المصريين، لكني ومنذ بداية ثورة 30 يونيو، كاشفت أكثر من صديق محب للفريق السيسي، بخشيتي من أسلوب تعامل "الجنرال" مع الإدارة الأمريكية، وتلك الثقة تحتم القول بأنني لم أر بعد نجاحا يسجل، في كيفية إدارة العلاقة مع واشنطن، بل كنت أرى أن السيسي يخسر تلك المعركة بالنقاط ، وأن كل ما فعله هو تجنب خسارتها بالضربة القاضية.

الوقت لم يفت بعد، وهو ما زال يلعب مع "الجنرال"، غير أن الموقف بحاجة إلى إعادة حسابات سريعة ودقيقة، لا تسمح لواشنطن أن "تدوس" بقدمها في بطن مصر والمصريين، ولا تسمح لواشنطن بلي ذراع الجيش والجنرال، ومثلما قد تحاول واشنطن حماية سياستها، باستهداف قوة وتماسك الجيش المصري، فإن على الفريق السيسي توسيع قواعد حماية موقف الجيش بقاعدة شعبية عريضة، بمصارحة ومكاشفة الشعب، وحشده في هذه المواجهة، كما فعل جمال عبدالناصر بعبقرية قبل خمسة عقود من الزمن.

قد يعتقد الجنرال أن لديه ما يكفي من هموم ومعارك، وأن الحكمة تحتم تجنب، أو إرجاء بعض المعارك الأخرى إلى مواعيد وتوقيتات أو أساليب مختلفة، وربما لا يكون الجنرال مقتنعا أصلا، بخوض مواجهة مكشوفة مع إدارة أوباما، أو ربما يقتنع الجنرال بأنه هو من بادر، إلى تقويض بعض مصالح واشنطن، بإسقاط مخطط وحليف أمريكي، وبأن ما تفعله إدارة أوباما ليس أكثر من رد للفعل المصري، وربما ظن الجنرال أنها مسألة وقت، وأن أمريكا، وباستكمال ما تبقى من بنود خارطة الطريق، سوف تتراجع عن كل تلك القرارات، وبالتالي الموقف يستحق بعض الصبر والروية ليس أكثر، ولكن ماذا لو كانت كل تلك الاحتمالات وهما، وماذا لو كانت أمريكا تنظر إلى السيسي نظرتها إلى الجنرال مصدق في العام 1952؟

بإمكاني تصديق وقبول كل تلك الاحتمالات أو بعضها ولكن بشرط واحد وحيد، يستوجب إعادة النظر، في مصداقية واحدة من أهم أسباب ثورة 30 يناير، فإن كانت الإدارة الأمريكية متورطة، في ترتيبات تمس سلامة ووحدة مصر مع نظام الرئيس السابق محمد مرسي، فإن تلك الاحتمالات لا تصمد ولا تستقيم، وربما كان على الفريق السيسي الاستعداد جيدا، للتصادم مع السياسة الأمريكية، وإلا فإن ذلك التواطؤ الأمريكي مع محمد مرسي، لم يكن أكثر من زعم ودعاية سياسية سوداء، اضطرت الثورة المصرية، إلى استخدامها، لتهييج الجماهير وتحفيزها، لدعم انقلاب عسكري في ثوب ثورة!

لا شك أن مصر اقتربت كثيرا من مواجهة ساعة الحقيقة، مع إدارة أمريكية لا تفهم، إلا لغة الصلابة والمواجهة السياسية، لأنها وبكل بساطة إدارة صفيقة ومتعالية، لكنها أيضاً إدارة ضعيفة، ولا ينبغي منحها نصرا مجانيا، بالتراجع أمامها خطوة كلما هي ضغطت وتقدمت خطوة، بل ينبغي عليها الاصطدام، بجدار مصري صلب من العزة والكرامة والسيادة، ليس أقل من النمطين الروسي والإيراني في التعامل والمواجهة مع إدارة أوباما، وأي موقف أقل من ذلك سيكون محبطا ومثيرا للمخاوف، على مصير الثورة، والثقة بقائدها الفعلي والمتوج عبدالفتاح السيسي.

الجنرال يتمتع بنعمة الذكاء، ويعرف أن نعومة و"لطف" زميله الأمريكي "تشاك هيجل" ليس أكثر من الملمس الناعم لأفعى قاتلة، وقد يحمل من الأذى والخطر لمصر، أكثر بكثير، من صفاقة وفضاضة الناطقين الرسميين، باسم الخارجية والبيت الأبيض الأمريكي، ويعرف أيضا أن "وشوشات" ذلك الزميل هاتفيا في أذنه، ليست هي جوهر الموقف الأمريكي، وربما هي مخدر قاتل، لإبطاء سعي "الجنرال" إلى تعبئة شعبه في التوقيت المناسب، وإضعاف مكانة" بطل مصر" في عيون بني وطنه، بإظهاره لينا أو "متخاذلا" ، في مواجهة دأب أوباما وجون كيري والناطقون باسميهما على تعبئة الرأي العام الأمريكي ضد مصر.

السيسي يعرف أيضا، وأكثر من غيره، قوة وصلابة جداره الأخير، قوة وصلابة الشعب المصري، وقد اختبر السيسي أيضا وبنفسه، صلابة ومصداقية ونفوذ الجدار العربي، الحامي لظهر مصر، من طعنات الغدر الأمريكي وغير الأمريكي، ويعرف أن لدى أمريكا الكثير مما تخشى عليه، من نقاط ضعف ومصالح مرعبة، كما أن لدى مصر وشركائها العرب الكثير من الأوراق، ابتداء من رفض الجزء غير المجمد من المعونة الأمريكية، إلى إلغاء المعونة كلها من الأساس، وصولا إلى تعليق العمل بالاتفاقات الأمنية مع واشنطن وتل أبيب، والكثير غير ذلك من أوراق المناورة التكتيكية.

شيئان فقط لا يملك السيسي أن يفعلهما، التفريط بالثورة والتخلي عن الجدار العربي، وشيئان فقط لا يملك العرب فعلهما، إضاعة الثورة المصرية، والعودة إلى جنون دولة الخلافة، وكل ما عدا ذلك يمكن مواجهته، ويمكن احتمال نتائجه.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط