.
.
.
.

الصبيّة الباكستانية التي فضحت طالبان

محمد بن عبداللطيف آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

لم يتجاوز عمرها الستة عشر ربيعاً، باكستانية مسلمة، جميلة، ومُتقدة الذكاء، وسريعة البديهة، وحاضرة الجواب؛ فتاة آمنت بقضيتها فعرّت كتائب (طالبان) الظلامية في باكستان، فمنحتها هذه الكتائب الحمقاء جوازاً عبرت به ليس إلى العالمية والثروة والشهرة فحسب، وإنما إلى أن تكون أصغر ناشطة حقوقية عرفها (تاريخ الإنسان) المعاصر، حين أطلق عليها الطالبانيون الرصاص فأصابوها في رأسها بينما كانت مع زميلاتها في حافلة مدرسية في الريف الباكستاني، انتقاماً منها بسبب حملتها لتعلّم الفتاة، فطالبان تعتبر تعليم المرأة (بدعة غربية) يجب التخلُّص منها.. تلك هي «ملالا يوسف زاي» التي حصلت مؤخراً على جائزة (سخاروف) أعلى جائزة تقديرية يمنحها الاتحاد الأوربي لحقوق الإنسان.

«ملالا» لم تقتل حتى نملة، بل لم تحمل سلاحاً قط في حياتها كما تقول، وإنما واجهت طالبان والسلاح والقتل والرصاص والأحزمة الناسفة والإرهاب وهضم الحقوق وقوى الظلام، بالدعوة فقط إلى (تعليم المرأة)؛ مُعتبرة دعوتها هذه أقوى وأمضى سلاح تواجه به فكر ساكني الكهوف وجحافل التخلُّف الطالبانية؛ فلا حل للجهل إلاّ بالعلم، ولا يُبدّد دياجير الليل البهيم إلاّ شمس المعرفة والقراءة والتعليم؛ فالقراءة هي التي ترتعد منها فرائص المتخلّفين، فبها تكتشف المرأة حقوقها كإنسان، لذلك فهم أكره ما يكرهون القراءة، وأول ما يُحاربون الكتاب.

وعندما ظهرت مع «جون ستيوارت» في برنامجه التلفزيوني الشهير (ذا ديلي شو )، وسألها : (حين حذّروك من طالبان ماذا كان شعورك). قالت : (عندما أدركت أنّ طالبان تريد النَّيل مني، قلت في نفسي ماذا ستفعلين لو جاؤوا؟.. فأجبت أنني سأقوم بقذفهم بحذائي، ولكنني استدركت قائلة : لو أني قذفتهم بحذائي، فلن يكون هناك فرق بيني وبينهم، فيجب ألاّ نرد القسوة بالقسوة، يجب عليّ مواجهة الآخرين، ولكن من خلال السلام ومن خلال التعليم، وكذلك عن أهمية التعليم لأطفالهم.. وبعدها سأقول لهم : ذلك ما كنت أريد أن أقوله لكم، والآن افعلوا ما تريدون) ! فضجّت القاعة بالتصفيق.

وقالت أيضاً : (إننا بشر .. هذا جزء من طبيعتنا الآدمية، لا نعرف قيمة الشيء إلاّ بعد أن يضيع من أيدينا).

وتقول : (ليس هناك سلاح أكبر من المعرفة ولا مصدر للمعرفة أكبر من الكلمة المكتوبة، لأنّ مضمون أي كتاب يحمل قوة التعليم القادرة على صياغة مستقبلنا وتغيير حياتنا).

وقالت في لقاء تلفزيوني آخر : (إذا لم يُعطَ هذا الجيل الجديد الأقلام، فسوف يعطيهم الإرهابيون البنادق) !

والسؤال الذي يفرضه السياق، وتقتضيه الموازنة بين ضدين هما على طرفيْ نقيض : أيهما أقرب - بالله عليكم - إلى رسالة الإسلام، وروح الإسلام، ومقاصد الإسلام، ما تفعله هذه الصبيّة المسلمة الواعية أم هُم أوباش طالبان الدمويون الأجلاف، الذي لم يُشوّه الإسلام، وصورة الإسلام النمطية لدى غير المسلمين، بل وشريعة الإسلام، مثلهم أحد قط؟

إننا كمسلمين اليوم في أمسّ الحاجة لمثل هذه الزهرة المتميّزة الواعدة (كنموذج)، لنثبت للعالم أننا لا نُصدر إليهم فقط القتلة الإرهابيين، ومن يرتدون الأحزمة الناسفة، أو من ينسفون الناس بالسيارات المفخّخة وهم (يُكبِّرون)، وإنما ثمة (آمال) شابة قادمة في الطريق، هم بالنسبة لنا كمسلمين بمثابة (شمعة) أمل في نفق مكتظ بالظلام والدماء وأشلاء القتلى ورائحة البارود؛ هؤلاء القادمون الجدد هم من يمثلون دين الرحمة والتسامح والسلام والعدل والحضارة لا أولئك.

وها هي الأنباء تتوالى أنّ «ملالا» وقّعَت صفقة لتأليف كتاب عن تجربتها بعنوان (أنا ملالا)، قيمتها 2 مليون جنيه استرليني (قرابة 12 مليون ريال)؛ أي بلغة طالبان التي يفهمونها، ما يوازي دخل مزرعة حشيش يملكها أحد أساطين طالبان الكبار في أفغانستان.

إلى اللقاء.

*نقلا عن "صحيفة الجزيرة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.