الخلاف الإقليمي وورقة الطائفية في سوريا

ميس الكريدي

نشر في: آخر تحديث:

كل تلك الانزياحات التي تحدث في الفكر السياسي ليست أزمة بقدر ما هي محاولة للوصول لقراءة سياسية منطقية وسط كل هذه التشابكات الدولية التي أدخل النظام سوريا بها، فهو كان مدركاً بحدس الغاصب للسلطة والمتربع على بناء أساسه باطل أن التلاعب بالأوراق وبعثرتها هو الإمكانية الوحيدة لاستمراره وتبديد حقوق الشعب السوري من خلال فتح الملف على كل أشكال التقاطعات الإقليمية وحركة المصالح المتضاربة على مستويين ثانوي إقليمي ورئيسي دولي.

وليس صحيحاً أن المعارضة دولت القضية السورية لأنها كانت منفعلة ولم تكن فاعلة بالحدث، ونقصد طبعاً المعارضة السياسية التي تحولت إلى هيكل بلا معنى وبلغت حد الهزال لتصبح ورقة تتقاذفها سفارات الدول الصديقة التي لم تكن نزيهة في التعاطي مع هذه المعارضة لأسباب موضوعية تتعلق بالقراءات الدولية العميقة أولا وبحال المعارضة ثانيا..

فالنظام جزء من كل التشابكات المصلحية لقوى كبرى وبكونه لايزال اللاعب السياسي الواضح الوحيد في المشهد السوري مع التحفظ على كلمة سياسي إلا أنه مازال بالنسبة للقوى الدولية ضابط الإيقاع القادر على تقديم التنازلات لأنه فعلياً يملكها.

ولأن النهج الستاليني الذي يعتمد مقولة قتل شخص جريمة وقتل مليون شخص إحصاء هو نهج منطلق من قراءة لحركة المصالح السياسية الدولية التي لا تقيم وزناً للشعوب وحياة الشعوب والذين هم حامل تطور المجتمعات على جثثههم..

كانت تجربة المعارضة السياسية مع المجتمع الدولي إبان قضية استشهاد الحريري حاضرة دائماً في ذهن الكثير من رموز المعارضة والخذلان السابق من المجتمع الدولي تجربة ذات ذاكرة سيئة لا يمكن إغفال أثرها على آليات تعاطي المعارضة مع الحدث وللأسف تؤكد لهذه اللحظة الدول الكبرى أنها لاتزال تستخدم السياسة ذاتها تجاه النظام السوري، الذي يتقن المراوغة والتفاوض ليس مع الشعب السوري العظيم الذي دفع ثمناً باهظاً دون أن يأخذ حقه في الميزان الدولي وإنما كان يوجه كل رسائله أي النظام إلى القوى الدولية الفاعلة مستعيناً بحلفائه الإقليميين الذين ترتبط مصالحهم بوجوده المباشر، بينما كان داعمو الشعب السوري يمارسون الممارسة ذاتها بإهمال ذلك الشعب وتجييره لمصالح أضعف بكثير من مصالح حلفاء النظام ما يفسر الفرق في الدعم والفعالية.

الخطاب الوحيد الذي وجّهه نظام الفتك في دمشق إلى شعبه كان الخطاب الطائفي الذي بنى عليه نظرية استمراره ووجه كل طاقاته لخلق شكل من أشكال الصراع القادر على تبديد حقوق الشعب بالحرية والكرامة، فعمل على تسهيل حركة الجهادية المتطرفة وخلق تلك الجماعات وغضّ النظر عنها للاستفادة من الفوبيا الغربية من الإسلام السياسي، وقام بترويج مختلف الفيديوهات الداعمة لتوجهه من أجل حرف الصراع عن المنطلق القيمي الذي قامت عليه الثورة السورية، وللأسف بسبب تاريخ عجز المعارضة السياسية الذي أسس له نظام بلا دولة حقيقية ومؤسسات مجتمعية يمكن أن تحمل حركة الشعوب أضحت المعارضة مضطرة إلى قبول كل تلك الأشكال من البدائل لأنها بلا حول ولا قوة..

وبغضّ النظر عن معركة الفساد التي يتم الحديث عنها والتي ربما تكون صحيحة في أجزاء كثيرة منها إلا أنها ليست سبباً مباشراً في إضعاف المعارضة بل نتيجة لسياسات الدعم العشوائية التي عن قصد أو دون قصد دفعت لمشهد غير مؤسساتي حملت وزره المعارضة، لكن الأمانة تقتضي أن نعترف بأن هذا الدعم لم يكن متوازناً وممنهجاً بحيث ينتج حركة مؤسسات منضبطة تؤدي لارتباط عضوي بين السياسة والحركة الثورية وإنما دفعت لقطيعة بين قوتين لا يمكن لإحداهما إنجاز المعادلة دون الأخرى..

بمعنى أدق تم التلاعب بالمشهد السوري بطريقة أدت لفصل بين المعارضة والثورة مما حول المعارضين إلى مجرد نجوم إعلام استهلكوا قبل إعداد الطاولة السياسية.

باختصار فإن السوريون يدفعون ثمن الموقع الجيوسياسي لسوريا، وبما إن الصراع العربي الصهيوني لم يعد بالحجم المطلوب لقلقلة المنطقة، فإن أشكال الصراع وخرائطه أخذت بالتبدل لتأخذ شكل الصراع الداخلي ضمن الجسم الواحد ومن ثم الصراع السني الشيعي الذي تم إعداد المنطقة له على مدار عقود من العمل الممنهج ..

من المعروف للجميع أن تحالف إيران مع النظام السوري هو تحالف سياسي يرتدي لبوساً دينياً لإضفاء شكل من أشكال المشروعية الشعبية الدينية التي تفصم عرى اللحمة الشعبية والتي من شأنها تحويل الورقة الطائفية إلى قنبلة لدمار طويل المدى في المنطقة.

ومن اللافت للنظر تبدل الخطاب الذي دفع إليه الإجرام الممنهج والذي انتهج فيه النظام نهجاً طائفياً بامتياز لم تكن المعارضة المسلوبة لكافة عوامل القوة تمتلك حصانة وطنية ضده بل كانت أمام عجزها مضطرة للهاث وراء خطاب شارعها الذي انتقل بعض من فيه إلى إعلان حرب ضد النصيرية ثم ضد الرافضة، وهذا بالضبط ما سعى إليه النظام لاستعادة لعبة حافظ الأسد (عدس) والتي يرددها كثر دون أن يعرفوا منشأ العبارة ومفاعيلها..

وانطلاقة الثورة السورية كانت مبهرة بتفكيكها لكل تلك الاصطفافات وتضخم الحالة الوطنية وبروز التكاثف الشعبي، مما أرعب النظام الذي تمترس مباشرة خلف ساتره الوحيد (الصراع الطائفي).

وللأسف لاقته قوى في المعارضة إلى منتصف الطريق بدل من المجابهة بالتمسك بالأجندة الوطنية.. وهنا العملية ليست شعارات بل ممارسات.

ورغم كل مشهد التشظي والرؤية القاتمة إلا أن هذه الحالة ليست أصيلة بالمعنى القطعي داخل سوريا بقدر ما يروج لها إعلامياً بفعل الأجندات السياسية التي تحاكي وتر مشاعر الانتقام والنظام الذي أرادها كذلك بزجه بالطائفة العلوية في معركة أصبحت متطوعة لقيادتها بفعل الترهيب والصراع المنفلت من القواعد، كما تلعب فيه المذاهب البقية دوراً دافعاً بهذا الاتجاه من خلال التصاقها بالنظام في جزئها الموضوع تحت الضوء من خلال تشكيل لجان شعبية، وما يسمى جيش وطني يعتمد على بلطجية ومستلبين وزعران قادرين على الضجيج وإخماد الأصوات المناهضة لهم بقوة المال والسلاح، خاصة أن الصامت في حالة مثل هذه الحالة يحسب على النظام بسبب الردح الطائفي وإنجاز النظام لهذه اللعبة على أعلى مردود، وبسبب قوة الضخ الإعلامي في هذا المنحى يصبح المعارضون من هذا الاتجاه ومعظمهم من القوى التقدمية والعلمانية والأخلاقية الذين قدموا مثالاً وطنياً لا غبار عليه في التحامهم مع سوريا أضعف بكثير من إمكانية التغيير في المشهد العام، لأنهم ليسوا تعبيراً عن رمزياتهم الدينية والمحلية وهم أبعد الناس عنها باحترامهم للانتماء للوطن وخيارهم الواضح لسوريا المستقبل ..

سوريا للجميع.. وإذا أردنا تحليلاً غير بريء فإن هذه الورقة ستكون مستقبلية هامة في سوريا تعبر عن اقتسام مناطق النفوذ والحصص الإقليمية المركبة التي ستكون أساس الانقسام الجذري الذي لم نشهده للآن.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.