.
.
.
.

مصالحة.. أم فخ تاريخي؟

عادل درويش

نشر في: آخر تحديث:

نجاح بروباغندا جماعة لا تكاد تحظى بتأييد عشرة في المائة من المصريين، عالميا (بميزانية 300 مليون دولار أهداها بلد خليجي صغير للتنظيم الدولي للإخوان لشراء إعلانات في الصحف العالمية - كـ«الغارديان» 15 أكتوبر/ تشرين الأول - واستئجار وكالات العلاقات العامة لشن حملة ضغط على القاهرة) في تقديم صورة معاكسة للواقع يدفعني إلى تحذير المصريين من الوقوع في فخ «المصالحة».
التعبير يردده دبلوماسيون وساسة غربيون دوافعهم مصالح بلادهم قبل مصالح المحروسة، وردده دبلوماسيون مصريون يفترض فيهم الوعي التاريخي كالدكتور البرادعي، وفاتهم أن النوايا الطيبة قد تصبح نظارة شمس غامقة العدسات، ربما تحمي العين وهج النهار لكنها تحجب كامل الصورة تحت الغيوم.
ماذا يعني «الحوار» و«المصالحة».. لغويا، وسياسيا؟
يعنيان السعي إلى توافق بين طرفين (أو أكثر).
فمن هما الطرفان؟..
هل الدولة المصرية (بمؤسسات تدير شؤون الملايين ويتجذر تاريخها قرونا) هي طرف ند مقابل لجماعة ثبت ضلوعها في الإرهاب وتنظيمها السري صبغته دماء المصريين (وزراء وساسة وقضاة مصريين كالنقراشي باشا والقاضي الخازندار قبل 60 عاما، واليوم حرس الحدود وجنود مصر في سيناء وشرطة كرداسة، وكذلك أطفال تصادف حضورهم قداس الأحد في الكنائس)؟
وحتى لو دخّنا ما يغيِّب العقل، ذاكرة وحاضرا، وانتزعنا بطاريات المنطق من أدمغتنا، واعتبرنا أن الإخوان ليسوا جماعة إرهابية، فأتحدى المؤرخين أن يقدموا أمثلة من التاريخ دخلت فيها الأمة/ الدولة، بكامل مؤسساتها، طرفا مقابلا في «المصالحة» مع حزب (من أكثر من 70 حزبا وجماعة وتيارا سياسيا) مهما كانت قوته وشعبيته، ناهيك عن أنها جماعة لفظتها الغالبية الشعبية؟ (المغالطة تكررها الـ«بي بي سي» وبقية صحافة اليسار كـ«الغارديان» بإصرار يسميه المصريون «بجاحة» عند تقديم مروجي بروباغندا التنظيم الدولي للإخوان، و«التوازن» بمقابلة ممثل من الحكومة المصرية، ولهذا تعلم المسؤولون المصريون الدرس ويرفضون تسجيل مقابلات مع الـ«بي بي سي» - لأن المقابل صحافيا لمتحدث باسم الإخوان هو ممثل من حزب آخر كالوفد أو الغد أو المصريين الأحرار).
من ناحية الشكل، أوجه السؤال لكل من «يزن» على آذان المصريين «بالمصالحة»، كممثلة الاتحاد الأوروبي الليدي كاثرين أشتون، أو الدكتور البرادعي: إذا كان من السهولة تحديد شخص أو لجنة لتمثل الإخوان (ويحرك خيوطها التنظيم الدولي ومكتب الإرشاد) فمن هو (أو اللجنة) الذي يمكنه أن يمثل شرعيا وقانونيا الأطراف التي رفضت الإخوان وأسقطتهم تحت ركام واجهتهم، محمد مرسي، ما بين 28 يونيو (حزيران) و4 يوليو (تموز)؟ من الذي يمثل أكثر من 30 مليون مصري رفضوا، ويرفضون الإخوان؟
الطرف المناهض للإخوان في معادلة «المصالحة» ليس نسيجا واحدا..
هل هم أربعة أو خمسة ملايين تضرروا من تدمير الإخوان للسياحة؟ أم ملايين من ربات بيوت وأمهات ومعلمين ومعلمات قلقون من محاولات تخريب الإخوان للاقتصاد الاستهلاكي ومناهج التعليم؟ هل هم طالبات الجامعة والنساء العاملات؟ هل هم عمال المصانع؟ هل هم المثقفون والفنانون والمسرحيون الحريصون على حماية أكبر مناجم ومعامل إنتاج الفن والثقافة في الشرق من عدوانية الإخوان؟ أم عمال الموانئ والمطارات؟ سكان السويس أم سكان الأقصر أم أهل رفح والعريش؟
باختصار، من المستحيل تحديد ممثل قانوني شرعي للطرف الرافض للإخوان، وهم غالبية (85 في المائة في تقدير مؤسسات الاستطلاع والإحصاءات) المصريين في حوار «المصالحة».
هذا عن الشكل.. أما المضمون فأكثر خطورة، لأنه لا يمس الأمن القومي للأمة المصرية فحسب، بل والأمن الإقليمي وأمن البلدان الإسلامية.
الخطورة أن الفخ بدأ ينصب داخل مصر بعد ترديد البعض (ومنهم مسؤولون كبار) أن «منهج» الإخوان في الحكم كان خاطئا. ألا يدرك المسؤولون الواقعون في المغالطة التاريخية أن ملايين المصريين رفضوا الحكم الآيديولوجي وليس «منهج التطبيق»؟
فاعتبار أن خطأ الإخوان كان المنهج يعني الاستمرار في قبول الآيديولوجيا الأصلية التي تأسست عليها الجماعة. آيديولوجيا بدأ حسن البنا رسمها في العشرينات، وطورها حلفاؤه من مؤدلجي الفاشية (تعاون الجماعة مع النازية الهتلرية في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي واعتداؤهم على وزراء مصر لدخولها الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا موثق)، ثم أكمل استراتيجيتها سيد قطب بهدم الدولة القومية عن طريق التدمير والدماء، كتضحية بالمجتمع «الكافر» مقابل تأسيس الخلافة الإسلامية.
الخطر أن يلجأ الإخوان لتكتيك «التقية»، ويعترفوا بخطأ «المنهج»، ويعدوا بأن يكونوا أكثر لطفا وقبولا لثقافة غالبية المصريين السائدة عند التطبيق، ويغمض المصريون أعينهم عن الآيديولوجيا والأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى، كخطر يتجاوز حدود مصر (فأين ستقام دولة الخلافة العالمية إذا لم تنتشر من مصر إلى رقعة متصلة من الأراضي التي يسكنها مسلمون، والخريطة المرشحة هي «ولايات» الدولة العثمانية عشية الحرب العالمية الأولى.. وهو ما يفسر بذل حزب أردوغان كل الإمكانيات لدعم التنظيم الدولي للإخوان، لأن هذه ستكون فرصة تاريخية لإحياء الخلافة العثمانية باسم جديد ومعادلة تتوافق ومصالح لندن - واشنطن حاليا)، بل وربما يمتد لأقدس مقدسات المسلمين. ووعي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بهذا الخطر دفعه إلى المبادرة بالوقوف إلى جانب غالبية الشعب المصري، بعد اتضاح خطة الإخوان لهدم الدولة القومية في كل المنطقة.
الأسئلة الأكثر صوابا التي يجب أن يطرحها أصحاب النوايا الطيبة كالدكتور البرادعي هي: من هي التيارات الدينية التي لا تضع آيديولوجيا الإخوان الأصلية (البنا - قطب) في مرتبة الإيمان المطلق؟ هل هي جماعات وتيارات مصرية، أم أن مصر (كما تسميها استراتيجية الإخوان) هي أرض لاحت فيها الفرصة أمام التنظيم الدولي للإخوان كقاعدة لتأسيس الخلافة؟
هل ينسلخ عن الإخوان، خاصة من الشباب، تيار سياسي يعلن المراجعة والرفض التام لآيديولوجيا البنا - قطب (وطز في مصر) ويعلن الولاء التام غير القابل للنقاش للأمة المصرية؟
لأنه من دون التخلي عن الآيديولوجيا والهدف الاستراتيجي لإحياء دولة الخلافة ستتكرر الثورة، ويرفضهم الشعب الذي عرف بوعيه الفطري ما فات المثقفين والساسة، وهو الفارق بين الآيديولوجيا و«المنهج».
الشعب في التحرير والإسكندرية والسويس في 25 يناير (كانون الثاني)، وفي كل شوارع وميادين ومدن وقرى مصر في 28 يونيو - 4 يوليو، يعرف بوعيه أيضا أن الإخوان كانوا جزءا أساسيا من فساد نظام مبارك، لأنهم كانوا الوجه الآخر لعملة الحزب الوطني.
رفض الشعب فساد مبارك في 25 يناير، ورفض الآيديولوجيا الإخوانية قبل المنهج في 30 يونيو، حقائق يجب أن يشهرها المسؤولون المصريون في وجه من يدسون أنوفهم في شؤون المحروسة.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.