ألغام دستورية

عبد المحسن سلامة
عبد المحسن سلامة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

انشغل بعض أعضاء لجنة الخمسين بالتصريحات العنترية أكثر من اهتمامهم وانشغالهم بإنجاز مهمة التعديلات الدستورية‏,‏ ورغم أن خريطة المستقبل التي تم إقرارها بضمان القوات المسلحة وأعلنها الفريق أول عبدالفتاح السيسي واضحة وصريحة في تعطيل العمل بالدستور لحين تعديل المواد المختلف عليها‏,‏

ثم جاء الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس عدلي منصور ليؤكد ذلك المعني, وحدد التوقيتات الزمنية وطريقة التنفيذ من خلال لجنة العشرة, ثم لجنة الخمسين, إلا أن هناك من حاول افتعال معارك وهمية حول ما إذا كان المقصود هو التعديل أم أن المقصود هو إعداد دستور جديد, وبخبرته وحنكته استطاع السيد عمرو موسي تجاوز تلك الأمر غير أن ما حدث في الجلسة المغلقة الأولي يوم الثلاثاء الماضي من مناقشات عاصفة وما تلاها من تأجيل الجلسات إلي اليوم يؤكد أنه ربما يكون الاندفاع في فكرة إجراء تعديلات جذرية قد أسهم في زيادة الإنشقاق بين أعضاء اللجنة مما يجعلنا ندور في حلقة مفرغة جديدة من التطويل والمط, ثم العودة إلي سياسة السلق في آخر لحظة, وهكذا نعيد تكرار الأخطاء بلا داع.

دستور2012 ليس كله شرا وإنما هناك ما يتراوح من30:40 مادة والمعروفة باسم المواد الخلافية لأنها محل اختلاف من القوي السياسية ولم تخضع للتوافق وانسحب بسببها أعضاء التيار المدني, أو تلك المواد التي أضيفت بليل, حينما سهرت اللجنة حتي الصباح لتنتهي من عملها في سابقة كوميدية لا مثيل لها في العالم, والغريب أنه في هذه السهرة الصباحي طرحت مواد لم يتم الإعلان عنها من قبل وتم تمريرها, وكانت محل اعتراض من أغلب التيارات السياسية, ودون ذلك فهناك مواد كان قد تم التوافق عليها, ولا خلاف عليها مثل كثير من مواد الحقوق والحريات.

عموما, فإنه لا يوجد دستور في العالم ينشأ من فراغ بل لابد من الاستفادة من الدساتير السابقة بدءا بدستور1923 الذي هو من أفضل الدساتير المصرية ومرورا بمشروع دستور1954 الذي أعده الفقيه الدستوري عبدالرزاق السنهوري ولم ير النور, ثم دستور1956 وبعده دستور1971 وأخيرا دستور2012 المعطل.

لقد جاءت كلمات محمد سلماوي ـ المتحدث باسم اللجنة ـ بردا وسلاما حينما أكد أنه لم ولن يتم التجاوز عن المدة المحددة للتعديلات والمحددة بالثالث من ديسمبر المقبل, وأنه بانتهاء الفترة سوف تكون اللجنة قد انتهت من عملها طبقا لتوقيتات الإعلان الدستوري, لكن علي اللجنة أن تفصح عن المسودة التي تم إعدادها حول التعديلات المقترحة لتشارك وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني وكل أفراد الشعب في النقاش حول تلك التعديلات, فالنقاش دائما يكون علاقة صحية وخطوة في الطريق الصحيح, وحتي لا نفاجأ بوجود ألغام دستورية مرة أخري, سواء أكانت ألغاما موجودة من قبل أو ألغاما حديثة تمت إضافتها في التعديلات.

أبرز الهواجس ما يتعلق بالتسريبات التي تشير إلي عدم الحسم فيما يخص نسبة العمال والفلاحين.. تلك النسبة الباطلة التي يتم استخدامها للتلاعب في إدارة الانتخابات حتي أصبح الضابط والصحفي عامل أو فلاح بالتزوير القانوني, ثم بعد ذلك نسمع أصواتا تريد الإبقاء علي تلك النسبة الملعونة, ورغم أن الدستور المعطل قد ألغاها فعليا حينما وضعها كمادة انتقالية وأعاد تعريف العامل بأنه كل من يعمل ويتقاضي أجرا, وبذلك سوف يصبح كل المرشحين تقريبا من العمال إلا من كان يملك سجلا تجاريا أو مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية, إلا أنه لابد من إلغاء هذه المادة المعيبة نهائيا ولا يجب تمييز أي فئة أو جنس في الدستور بعيدا عن دغدغة المشاعر مادمنا جادين في إصلاح دستوري حقيقي.

أيضا فإنه من العار أن يظل الحبس سيفا مسلطا علي رقاب الصحفيين في قضايا النشر علما بأن لم تعد سوي دول قليلة لا تتجاوز20 دولة علي الأكثر التي تطبق الحبس في قضايا النشر, ومن غير المعقول وبعد ثورتين25 يناير و30 يونيو أن يظل الحبس في قضايا النشر قائما لإرهاب الصحفيين والتضييق علي الحريات.

هناك الكثير من القضايا الأخري الساخنة والشائكة التي تحتاج التوضيح والحسم مثل طريقة ونظام الانتخاب, وصلاحيات وسلطات الرئيس والتوازن بينها وبين سلطات رئيس الوزراء, وتأكيد عدم تغول سلطة من السلطات الثلاث( التنفيذية والتشريعية والقضائية) علي الأخري.

اعتقد أن طرح مسودة بالتعديلات للنقاش العام بالتوازي مع عقد جلسات اللجنة العامة وتصويتها علي تلك التعديلات يمكن أن يكون مفيدا في تصويب الأخطاء ومعالجتها قبل أن تتحول إلي ألغام في الدستور المقترح.. فهل تفعل لجنة الخمسين ذلك؟

نقلاً عن "صحيفة الأهرام".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.