.
.
.
.

الحرس الثوري ومصالح الإيرانيين

بهروز بهبودي

نشر في: آخر تحديث:

عندما تأسس الحرس الثوري في عام 1979 كانت مهمته الحفاظ على الثورة الفتية أمام القوى المعارضة للثورة وبعد هيمنة رجال الدين على الحكم وكذلك بدء الحرب مع العراق تحول الحرس الى مؤسسة موثوقة لدى السلطة ورغم أن القوانين تمنع الحرس من التدخل في السياسة لكنه خاض الساحة السياسية من أوسع أبوابها منذ انتصار الثورة خدمة للمصالح الأيدولوجية الحاكمة.

وخلال السنوات الماضية فتحت السلطة المجال أمام الحرس ليتدخل في الشأن الإقتصادي وأصبحت هذه المؤسسة اليوم منافسة لرجال الدين في صنع القرار في البلد. وبدأ الحرس الثوري نشاطه كقوة قمعية للحفاظ على أيدولوجية ولاية الفقيه التي طرحها الخميني ولم يكتف بالنشاط داخل حدود البلد بل شكل قوة خارجية تحت عنوان " قوات القدس " لتنفيذ العمليات الإرهابية التي يقوم بها النظام في الخارج.

وبعد وصول خامنئي الى سدة الحكم أطلق خليفة الخميني المجال أمام قوات الحرس للحفاظ على حكمه لأنه لم يكن يحظى بدعم رجال الدين المتنفذين وأنه كان بحاجة لتعزيز مكانته والترويج لولاية الفقيه المطلقة لإرغام الجميع على الإمتثال لحكمه.
وخلال فترة الإصلاحات نشر 24 من قادة الحرس الثوري رسالة هددوا من خلالها الرئيس الأسبق محمد خاتمي بوضع حد لسياساته التي اعتبروها بالمتناقضة مع مبادئ النظام. وخاض منتسبو الحرس الانتخابات الرئاسية في عام 2005 لدعم احمدي نجاد وقدم الأخير خدمات جليلة لهم وإستمر الدعم في إنتخابات عام 2009 وهذه المرة عبر تزوير نتائج الإنتخابات ومن ثم قمع الحركة الإحتجاجية وقتل المتظاهرين وتولي البت في ملفات المعارضين من خلال الهيمنة على القضاء.

ولمعرفة أهمية الدور السياسي الذي يؤديه الحرس تكفي الإشارة الى أن مرشد الجمهورية الإيرانية بحث معهم موضوع الانفتاح السياسي مع أمريكا والغرب وطلب منهم التزام الصمت وعدم التدخل في هذا الشان بناء على السياسة التي وصفها خامنئي بـ " المرونة البطولية " قبل تكليف حسن روحاني بتنفيذ هذه السياسة.


ولم ينته نفوذ الحرس بهذا الحد بل يشكل اليوم عائقا لتطوير البلد بسبب التنازلات الاقتصادية السخية التي يحصل عليها بالقوة من خلال الضغوطات على المنافسين خاصة بعدما تضرر القطاع الخاص والحكومي خلال الحرب حيث تحول فيما بعد الى مافيا إقتصادية. والمجالات الإقتصادية التي ينشط فيها الحرس تشمل الأسس التحتية للبلد منها بناء السدود والطرق والنفط وإنتاج الأدوية والسياحة والنظام البنكي.
وبلغ تدخل الحرس في الشؤون الاقتصادية حدا حيث عين أحمدي نجاد رئيس مؤسسة " خاتم الانبياء " الذراع الإقتصادي للحرس وزيرا للنفط وبذلك فتح المجال أمام هذه القوة للهيمنة على أهم مصادر البلد.

ولم يكتف الحرس بهذا بل أصبح من المافيات المتورطة بالتهريب من خلال بناء مرافئ لم تخضع لنظام الجمارك في البلد وقد وصفهم احمدي نجاد مرة بـ " الإخوة المهربين" وكذلك قال روحاني بعد الفوز في الانتخابات أنه لايمكن مكافحة التهريب دون مساعدة الحرس ما يكشف مدى تورطهم بهذه الظاهرة.


والهيمنة الإقتصادية والنفوذ السياسي الواسع بهذا الشكل يمهد لتشكيل مؤسسة تهدد الهيكل السياسي والإقتصادي والإجتماعي في البلد حيث لايرى الحرس نفسه مسؤلا أمام الشعب ويعمل لضرب المنافسين في شتى المجال بواسطة نفوذه وإمتلاكه السلاح.

وجلب أداؤه في الموضوع النووي مقاطعات دولية يتحمل الشعب أضرارها ويرفض الحرس أي تنازل في هذا المجال لأن إستمرار هذا الوضع يجلب له مصالح إقتصادية كما أنه يستمر بعمليات القمع والكبت بحجة التهديدات الدولية في حين كان الملف النووي يسير نحو التسوية السلمية قبل أحمدي نجاد إلا أن هيمنة الحرس على الحكم خلال حكم الأخير جعل من الصعب العودة لتلك الظروف فضلا عن ضرورة دفع تكاليف كل ما جناه المتطرفون خلال السنوات الثماني الماضية للخروج من المأزق.

وتتعدى الأضرار التي يسببها الحرس الثوري حدود البلاد لتشمل بلدان المنطقة من خلال دعمه السلبي في العراق ولبنان وإثارة النعرات الطائفية وتمثل ذلك في الاشتباكات الدائرة في سوريا من خلال تأجيج هذه النعرات ما أدى الى سقوط مكانة إيران لدى البلدان المجاورة.
بعد كل هذه النتائج السلبية لأداء الحرس الثوري بات من الصعب إحتواء قادته المتمردين وإنتهاكاتهم ضد مصالح البلد. وتتجه هذه المؤسسة الى الهيمنة حتى على رجال الدين الذين هم بحاجة لهذه القوة القمعية لإستمرار سلطتهم ما يؤدي الى تأجيل وصول المواطنين الى الحرية والديمقراطية المنشودة. أما المشاركة الشعبية المستمرة في الشؤون المختلفة ومطالبة المسؤولين بتنفيذ وعودهم ونقدهم المستمر في الإعلام و خاصة من خلال النشاط الطلابي والمؤسسات غير الحكومية يضع حدا للتصرفات الإستبدادية والعبث بالمصالح الوطنية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.