.
.
.
.

دول الربيع العربي.. دعوة ملحة للحوار

عبد الكريم الزياني

نشر في: آخر تحديث:

إن المتابع اليوم لما تمر به دول ما يسمى الربيع العربي، ونذكر منها مصر وليبيا وتونس، وسوريا واليمن، يقف عاجزا عن فهم التطورات المتلاحقة والمتزايدة للأمور، لدرجة أننا فقدنا القدرة على التوقع أو الفهم للحالة التي ستصل إليها هذه البلدان. ونحن في هذا المقام لسنا في وارد تفصيل وشرح أبعاد وتداعيات ما حدث، بل نحاول التعامل مع النتائج التي أفرزها الربيع العربي بواقعية تامة.

فإذا سلمنا جدلا بما حصل أنه تغيير مطلوب، وأنها حركات شعبية تطالب بالديمقراطية في بلدان رزحت على حد تعبير البعض - تحت نير الدكتاتوريات العسكرية - غير أن الواقع يذهب بنا إلى أبعد من ذلك، لقد فرضت نظرية الغالب في فرض أمر الواقع في الحياة العامة في دول الربيع العربي، فأي معنى للحرية والديمقراطية في ظل سياسة الإقصاء والإبعاد والتهميش لشريحة واسعة من الناس بحكم عملهم وإيمانهم وتعاملهم مع أنظمة ما قبل الربيع العربي.

فقوانين حماية الثورة والعزل السياسي والإبعاد والتهجير والبلطجة السياسية هي السائدة الآن في دول الربيع العربي، وإن كانت بدرجات متفاوتة .
ولا يخفى على أحد دور الإعلام – الجبهة الأولى في إشعال الربيع العربي – في حرف مسارات ثورات الربيع العربي وفقا للأجندات الخارجية، لا تخدم المصالح الوطنية لبلدان ما يسمى الربيع العربي.

فالمتابع للإعلام العربي الفضائي والمقروء يدرك تماما النوايا المشبوهة، فما ضرورة الالتفاف إلى الخلف والرجوع إلى ملفات قديمة من شأنها أن تؤجج نار الفتنة وتزرع البغض في النفوس، وتغلب كفة على أخرى؟

وانطلاقا من هذا التقديم، وحفاظا على إرثنا الديني وتجمعنا العربي، فإننا نتقدم اليوم بدعوة مفتوحة وعاجلة وأخلاقية لفتح باب التصالح والحوار من أجل بناء الأوطان وتحقيق الأمن والسلام، قبل التفكير في التكالب على الحكم. ويتأصل اقترحنا على أن يقوم الاتحاد الإفريقي وقيادة عربية إسلامية تحظى بتقدير الجميع بلعب دور تاريخي وطني بامتياز يحفظه لها العرب والتاريخ.

نطمح في أن لجنة إفريقية - عربية للتعامل مع الأزمات والتوابع التي أنتجتها ثوراث الربيع العربي، ودفع الناس إلى الحوار والتصالح لبناء الأوطان وليس الفوز والظفر بها كغنيمة حرب، لقلة تريد أن تصبغ العالم العربي والإسلامي بتيارات سياسية بعينها .

إننا كمجتمعات مدنية عربية من المحيط إلى الخليج نقدم مبادرة إفريقية - عربية للحوار والوفاق الوطني في دول الربيع العربي، تقوم على العدالة الاجتماعية، وتسعى إلى خلق أجواء الحوار والتفاهم بين كل المكونات داخل المجتمع العربي.

وفي هذه اللحظة التاريخية، وفي ظل غياب أكبر المؤثرين في صنع القرار السياسي العربي وهي مصر، ليس لدينا من وجهة إلا الاتحاد الإفريقي والمملكة العربية السعودية لتلعب الدور المنوط بها كدولة عربية محورية تدفع الجميع إلى الحوار برعايتها وتحت إشرافها مباشرة. فأغلب دول الربيع العربي هي في الأساس دول عربية وعضو مؤسس في الاتحاد الإفريقي.

لقد كان لترك العرب المجال مفتوحا أمام التدخلات الغربية تأثيره في تضييق الفرصة أمام الحل العربي والوفاق العربي الذي يزعج الغرب كثيرا، وإن كان العرب قد قبلوا تدخل الدول الغربية وبعض الدول العربية الصغيرة في إثارة ثورات الربيع العربي لخدمة أجندة معينة. فلا نعتقد أن الاتحاد الإفريقي والمملكة العربية السعودية سيكون لهما أجندات خفية في تونس أو مصر أو ليبيا أو اليمن.

إن الثقة التي تمنحها الشعوب العربية للدور الإفريقي والسعودي في خدمة القضايا العربية والإسلامية هي الأساس الذي نبني عليه مبادرة المصالحة هذه، فالجميع يستمع إلى السعودية والاتحاد الإفريقي بقلب مفتوح وعقل مستنير، لأننا نعرف مسبقا حرصها على مستقبل الأمة العربية، وخير دليل على ذلك الدور الذي لعبته في احتضان ثورة 30 يونيو 2013 في مصر.
كما أن أكثر دول الربيع العربي هي دول إفريقية من شمال القارة .

وإننا إذ نتوجه إلى السعودية والاتحاد الإفريقي بطلب تبني مبادرة أخلاقية تحت إشرافهما للحوار الوطني في دول الربيع العربي، فإننا نقدم تصورنا العام لهذه المبادرة لعلها تلقى الاهتمام لدى الإخوة العرب:
1. تشكيل لجان لمتابعة القضايا العاجلة تهيئة للحوار الوطني، منها العدالة الانتقالية والإفراج عن السجناء بسبب هذه الأحداث.
2. تشكيل لجان حقوقية لرصد الانتهاكات الإنسانية التي صاحبت ثورات الربيع العربي ومعالجتها قانونيا.
3. تعمل اللجان على متابعة كل الأمور وتسهيل العقبات وتذليها لانطلاق الحوار الوطني .
4. تعمل هذه اللجان على سحب الميليشيات العسكرية المحلية والأجنبية من بلدان الربيع العربي في مدة أقصاها ستة أشهر من بداية إطلاق هذه المبادرة.
5. الحفاظ على الهوية العربية لتلك الدول وعدم السماح بحدوث انقسامات أو انفصالات جعرافية - سياسية .
6. كل الأطراف في المجتمع مدعوة للحوار ومن أرضية الوطن للجميع وبدون إقصاء أو تهميش.
7. الحفاظ على التضامن العربي بين الدول وعدم الدخول في سجالات سياسية تؤثر على هذا التضامن .
إننا إذ نتقدم إلى الاتحاد الإفريقي والقيادة السعودية باقتراح تبني خارطة طريق للحوار الوطني، فذلك نابع من إحساسنا العميق بمدى خطورة الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في دول الربيع العربي، والتي يحاول الإعلام للأسف تقديمها كنموذج للتغير، متجاهلا الكوارث الإنسانية والأخلاقية والاقتصادية التي تحل بهذه البلدان.

وتأسيسا على الثقة المتأصلة لدينا بأن القيادة السعودية والاتحاد الإفريقي، لن يدخروا جهدا في مساعدة العرب، لكن ذلك يتطلب إيمانا من قبل تلك الدول ومكوناتها السياسية والمجتمعية والقبيلة بضرورة المصالحة فيما بينها لبناء الدولة العصرية الحديثة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.