الخلل الفادح
المتأمل في التصريحات المتتالية هذه الأيام لزعيم جبهة التحرير الوطني، عمار سعداني، يجزم بأن الأخير لا يلتقي يوميا بالرئيس بوتفليقة فقط، وإنما يلتقي معه صباح مساء، ويناقش معه كل شيء ويخطط معه لكل شيء، وإلا ما معنى أن يحجم كل المسؤولين، المقربين منه بحكم العلاقات الشخصية وشركائه «دستوريا» في الحكم، عن الخوض في ما تمت إثارته عن وجود خلافات بين بوتفليقة وجهاز المخابرات.
وعلى العكس من هذا يتحدث سي عمار عن ملف هذه العلاقة بأريحية غريبة بل وبلغة الواثق من نفسه، فهل هناك بالفعل علاقة خاصة بين رئيس الجمهورية والأمين العام للحزب العتيد تجعل من الأخير شريكا للأول في صناعة واتخاذ أهم قراراته وأكثرها حساسية؟
يروي بعض الذين تربطهم علاقات حميمية برئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، أن الأخير لم يكن يلتقي طيلة السنوات الثلاث التي قضاها على رأس الحكومة برئيس الجمهورية إلا نادرا، فهل يعقل أن الرئيس الذي لا يلتقي بالذي أوكل له مهمة الإشراف على عملية التسيير المباشر واليومي للحكومة يلتقي بأمين عام حزب بالشكل الذي أوحى ويوحي به سعيداني هذه الأيام؟ لنتأمل في هذه الصورة...
عبد العزيز وهو في كامل عنفوانه الذي كنا نعرفه عنه مطلع سنة ألفين لا يلتقي برئيس حكومته إلا في حالات نادرة، ويلتقي هذه الأيام وهو في وضعيته الصحية الصعبة التي نعرفه عليها بعمار سعيداني كل هذا الوقت الذي يسمح له بشرح ما يقوم به من إعادة ترتيب أهم وأخطر مؤسسات البلد. العارفون لنفسية الرئيس بوتفليقة ولطريقة تفكيره، يجزمون بأنه لولا القلق من تغييب المرض له وإبعاده من الساحة...
ولولا ضرورة التأكيد على أنه ما زال قادرا على اتخاذ القرارات، لما استقبل أصلا لا قايد صالح ولا سلال ولا أيا من المسؤولين الآخرين، لكن تحديا وكناية في الذين يقولون بأنه قد انتهى سياسيا، يظهر وسيظل يظهر على الشاشة ولو في ملابس نومه إذا ما وجد صعوبة في ارتداء بذلة وربطة عنق.
لقد سبق ومرض الرئيس بوتفليقة سنة ألفين وخمسة ونقل للعلاج بفرنسا كما هو معروف، ومكث هناك مدة أثارت قلق الجزائريين، وبطبيعة الحال حاول مسؤولو تلك الأيام وهم عبد القادر بن صالح وأحمد أويحيى والمرحوم الفريق محمد العماري، زيارته في المستشفى الذي كان يرقد فيه ومعايدته هناك، لكنه رفض استقبال أي منهم كما شاع في تلك الأيام، ثم فاجأ الجميع باستقباله لأمير الراي الشاب مامي، فما الذي تغيَّر حتى تتوفر كل هذه الحظوة لسعداني؟
يبدو أن هناك خللا فادحا في طريقة إدارة دواليب دولتنا، وليس مهما هنا إن كان هذا السعداني ينطلق في تحركاته وإيحاءاته من فراغ أو يتحرك من واقع حقيقي يعيشه ويحياه بالفعل، والأمر في الحالتين خطير وخطير جدا.
* نقلا عن "الخبر" الجزائرية