.
.
.
.

14 آذار مدعوّة للصمود وانتظار التطوّرات

اميل خوري

نشر في: آخر تحديث:

ترى اوساط سياسية مراقبة ان قوى 14 آذار لن يكون في استطاعتها التصدي لقوى 8 آذار ووقف مسلسل التنازلات لها ما دام "حزب الله"، الركن الاساسي فيها مسلحا، فحيث يكون السلاح يكون الحق للقوة وحيث لا يكون تصبح القوة للحق.

للرئيس فؤاد شهاب قول مأثور هو ان "القانون في لبنان يجزم، عندما يصعد الى جروده" ومعروف ان معظم سكان المناطق الجردية مسلحون وغالبا ما كان يتم تطبيق القانون فيها بالتراخي تجنباً لسقوط قتلى وجرحى اذا ما استخدمت الدولة القوة حتى ان كانت الدولة اقوى منهم. لذلك عندما تحولت المخيمات الفلسطينية ثكناً ومعسكرات اصبحت الدولة اللبنانية عاجزة عن مواجهتها واخضاعها للقانون الذي لم يعد له وجود بالنسبة الى الفلسطينيين المسلحين، بل صار لهم قانونهم ودولتهم. وعندما انتشر السلاح في ايدي كل اللبنانيين، وقعت الحرب الداخلية ولم يعد للدولة اللبنانية وجود وصار لبنان محكوما من الدويلات في المناطق التي تسيطر عليها، ولم يكن ثمة سبيل لانهاء وجودها الا بعد اتفاق عربي ودولي على عقد لقاء في الطائف فرض فيه على من حضروه اتفاق من صنع الدول المعنية بوضع لبنان. وقد خيّر من عارضوه بين القبول به او تحمل مسؤولية عودة الاقتتال بين اللبنانيين ولم تحل معارضتهم دون تحول هذا الاتفاق دستوراً جديداً للبنان يخضع الجميع لاحكامه. وقد دفع اللبنانيون ثمن التخلص من سلاح الفلسطينيين ومن سلاح الميليشيات في لبنان وصاية سورية عليهم دامت 30 عاما، وكانت اشد قساوة واضطهاداً من الانتداب الفرنسي.
وها ان لبنان يواجه اليوم مشكلة سلاح "حزب الله" التي لا حل لها الا باتفاق بين الدول المعنية بوضع لبنان، وهو اتفاق لم يحصل حتى الآن كما حصل في الماضي في الطائف ولا احد يعرف متى يحصل.
لقد نزع سوريا في الماضي نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وأخرجت المسلحين الفلسطينيين من لبنان الى تونس، فمن سيتولى نزع سلاح "حزب الله" وتسليمه الى الدولة اللبنانية؟
الواقع ان هذا الامر بات مرتبطا بالازمة السورية وكيفية التوصل الى حلها، وهو حل لن يتم التوصل اليه بالتراضي، او بانتظار اتفاق المتخاصمين والمتقاتلين، بل بفرض حل عليهم تتفق عليه الدول المعنية، تماما كما حل بالنسبة الى الحرب في لبنان، فلقاءات الطائف لم تعقد الا بعدما وضع اتفاق بالتفاهم بين الدول المعنية عرف باتفاق الطائف. وفرض على من حضروا تلك اللقاءات. فاذا كانت جنيف هي المكان لعقد اتفاق يخرج سوريا من حروبها الدامية والمدمرة، فان هذا الاتفاق لن يتحقق بين المتقاتلين والمتحاربين في سوريا، ولكل منهم شروطه التعجيزية، انما يتحقق بين الدول المعنية اي الولايات المتحدة وروسيا وايران وربما السعودية، وايران هي حاليا بوزن سوريا حافظ الاسد. فاذا كانت لهذه الدول مصلحة في ان تستمر الحرب في سوريا الى ان يتعب المتقاتلون ويصبحون مستعدين للتخلص من شروطهم التعجيزية المتبادلة والرضوخ كما تقرره الدول المعنية بوضع سوريا، حتى لو تطلب ذلك سقوط مزيد من القتلى والجرحى والنزوح، والتسبب بمزيد من الدمار والخراب، وهذا يفرح اسرائيل، فان الانتظار قد يطول ويطول معه الوضع الشاذ في لبنان. اما اذا رأت الدول المعنية بوضع سوريا وبالتالي بوضع لبنان ان المصلحة باتت تقضي بوقف الحرب في سوريا وإخراج لبنان من وضعه الشاذ، فانها تستطيع التوصل الى اتفاق على حل في سوريا وان تأتي بالمتقاتلين الى جنيف او غيرها للموافقة عليه، كما حصل لقيادات لبنانية في لقاءات الطائف. والتوصل الى هذا الاتفاق هو الذي يقسم حكومة انتقالية تتمثل فيها كل القوى السياسية الاساسية المعتدلة في سوريا موالية ومعارضة، وهي التي تضع قانونا تجرى الانتخابات النيابية على اساسه ودستوراً جديداً بحيث ينتخب المجلس النيابي المنبثق منها رئيساً للجمهورية، ويعقب ذلك تشكيل حكومة جديدة تعيد اعمار ما هدمته الحرب في سوريا ويعود اليها من نزحوا الى دول الجوار وغيرها.
وعندما يتم التوصل بين الدول المعنية بوضع سوريا الى اتفاق، فلا يعود في استطاعة المتقاتلين رفضه. فالولايات المتحدة والدول الاوروبية تهدد المعارضين بوقف كل انواع المساعدات عنهم، وروسيا وايران تستطيعان مطالبة الموالين للنظام بقبول الاتفاق والا رفعت ايديهما عنهم وتركوا لقدرهم، وان تطالبا "حزب الله" بالتخلي عن سلاحه كي تقوم في لبنان الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها فلا تكون دولة سواها ولا سلاح غير سلاحها.
لذلك على قوى 14 آذار أن تقرّر الصمود في انتظار حصول ذلك، لأن مواجهة 8 آذار المسلحة هي خسارة لها وللبنان. خسارة تكون قد وقعت على يد 14 آذار وليس على يد 8 آذار. وتكون قامت بها كما كانت تريد القيام به. لذلك فان التريث وانتظار التطورات هما المطلوبان في الوقت الحاضر، وبعدها لكل حادث حديث.

نقلا عن صحيفة "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.