.
.
.
.

أحفاد سلطان باشا الأطرش.. بين المطرقتين

ميس الكريدي

نشر في: آخر تحديث:

بعيداً عن المزاودات التي تضيع الوطن.. وعطفاً على كل ما سبق الحديث عنه بشأن المواجهة الدقيقة للواقع، فإن الكلام الذي مازلنا نؤكده على أرضية الوصول إلى الحد الممكن من سوريتنا والالتزام بقدر المتاح بأجندة وطنية يتنازع عليها من قبل كل الأطراف المنغمسة في شراكة ضمنية على القضاء على سورية، فإن انزياحي للحديث عن منطقتي كمحافظة أي السويداء وطائفتي أي طائفة الموحدين الدروز ليس بحال من الأحوال كما يظهر عنوانه أي إشارة لتشظي الوطن ولتفكك السوريين والذي هو بحد كبير صحيح ولكننا مازلنا نعتبر أنفسنا أم الولد ونناضل لاستعادة العقد الاجتماعي.

وحتى لا نعيد الكلام المكرر وسط أمية سياسية عبثية تتجلى بأوضح معالمها في المعارضة السياسية السورية وبكل الأطراف المتصارعة داخل الوطن، فالنظام لا يمارس السياسة إلا على أرضية كسر إرادة الشعب وهذه طريقته لأنه منذ توليه البلاد عمل على استهداف الحركة السياسية ولم يمارس السياسة لأنه كان يمارس الفعل الأمني ويحكم بالبسطار العسكري، وهنا يظهر الفرق بالأدوات فالنظام الذي لا يمارس السياسة يملك قرار قوته العسكرية أما المعارضة فمنفصلة عن الواقع وعن قواها العسكرية تماماً وصناعة المعارض السياسي تحتاج للقليل من المقابلات تلفزيونية ورضا من إحدى الدول الراعية، وعلى هذه الأرضية استبعد العقلاء من جهة أو فتحت حروب إعلامية عليهم أو تم تطويعهم ضمن الأجندات.

هذا ليس تلميعاً للنظام الذي يعرف القاصي والداني صفاته وأفعاله حتى الدول التي تسانده، وبالنسبة لي شخصياً أفخر بأني أول فتاة من السويداء نالت شرف الخطبة بعد السيدة منتهى الأطرش ضد النظام في ريف دمشق ..ونحن أول من تعرفنا إلى شبيحة المنطقة سباً وتخويناً وشتماً واعتداءً على المنازل.

لست هنا لأتكلم عن نفسي أو أعلن ولائي للثورة، فالخيارات والممارسات هي وسيلة التعريف بالأشخاص، ولو إني أسجل تقاعسي عن أداء أي دور إغاثي في الثورة لقناعتي أن تولي هكذا مهام أولاً ليس مسؤولية السياسي، وثانياً لأن عدم إنتاج مؤسسة يسمح بإفساد الذمم حتى لو لم تكن فاسدة، ببساطة لأنك لا تملك تبريرات أمام الناس وأدلة على براءتك ولو كنت كذلك لانعدام الشفافية ولكثرة الفضائح التي طالت من تسلم الأموال باسم الشعب السوري سواء كان بريئاً أو مداناً بالحالتين عند انعدام قواعد المحاسبة وآليات العمل الواضحة لا يمكن للعين أن تقاوم المخرز..

وسط هذا الزحام في التنافس على الكذب والتضليل والذي يبدأ من مواقف معلنة لبعض الشخصيات على الإعلام رفضها لجنيف وانغماسها في التأكيد على الخيارات الثورية يعقبه جري حثيث ولهاث لتطبيق الأمور هنا وهناك لحجز مقعد لجنيف يمكن أن نتبين حالة الجالسين على ناصية مكاسبهم ومناصبهم الوهمية فهم لا يريدون التخلي عنها ولا يريدون منصات أخرى لا يحجزون أمكنتهم فيها.

وحتى لا نتحول للردح فإني لن أدخل في تفاصيل أسماء كبار الفاعلين في هذه التحركات والمقبلين على تحالفات من تحت الطاولة مع من ناصبوهم العداء على الإعلام وغيرها وغيرها ...بكوني من دعاة الحل السياسي والقابلين بجنيف 2 والذين يملكون جرأة التصريح عن هذا عكس القادة الذين يخوضون صولاتهم وجولاتهم في سفارات أوروبا وينكرون في جلساتهم الخاصة.

كنت قد قلت مرة على موقع التواصل الاجتماعي إن الفرق بين طموحات هؤلاء الطامحين الجدد باغتصاب السلطة عبر الذراع الدولية لا يختلفون عن النظام الحالي لا بالعقل ولا بالتفكير وإنما بأدوات القوة، فهم يعرفون أنهم لا يمثلون إلا زوجاتهم إن مثلوها في سوريا، وعلى هذا ليس لديهم خيار سوى محاولة الانقضاض على حصة في الحل السياسي أو تعطيله، وفي ذهنهم أن سوريا بدل أن تكون سوريا الأسد يمكن أن تكون سوريا فلان أو علان وكل ممارساتهم الشللية معروفة حتى للاستخبارات الأميركية والأوروبية أي حلفائهم لأننا سنفترض أن أخبار الطرف الآخر عنه مزيفة كجزء من السياسة ..

عطفاً على كل الحديث السابق أعود لتوصيفي لنفسي كابنة السويداء المقيمة في جرمانا قبل فراري من سوريا أي بتلخيص انتمائي حسب مولدي لطائفة الموحدين والذي لا يستطيع من يريدون تمثل المشهد الطائفي سحبه مني.

على أرضية مسؤولية وطنية عُليا وعلى أرضية مسؤولية اجتماعية وانطلاقاً من قراءة الحدث وتدخل فئات حسب ولاءاتها على أرضية طائفية وفي مواجهة محاولات وئام وهاب تصدير الفتنة وسحب الطائفة لمكان لا يشبهها، فأحفاد ثورة 1925 وقائدها سلطان باشا الأطرش لا يمكن أن يكونوا خارج البوتقة الوطنية والدم الذي اختلط على أرض المسيفرة لم يكن إلا علامة وحدة وطنية لا مجال لطمسها.

ومن هنا دعونا نمارس السياسة حسب الممكن ودعوتي لخروج الشباب المقاتلين من الطائفة من درعا أولاً هو إيمان بأن الوطن واحد وخدمته من أي مكان ممكنة، وثانياً نتيجة تداعيات الأحداث التي يستطيع من يتصيدون في الماء العكر إلباسها لبوس الفتنة بسبب الجو المشحون والضخ السياسي والمالي والاجتماعي، فالتعامي عن المشكلة لا يحلها بل يعقدها والمطالبة بحيادية المحافظة ليس تطاولاً على ثوريتها ولا إنكاراً للثورة، وإنما للدفع باتجاه العقلاء لحفظ السلم الأهلي وتقويتهم بحيث يستطيعون المناورة في ملف الشبيحة وهو الأخطر.. والانتقال لخلق رمز محلي وتقويته بديلاً عن رموز معارضة ليست إلا رتوشاً تشبه تعيين رئيس مجلس المحافظة بزمن النظام مع اختلاف الآليات.. هو هدف للوصول لمجموعة تملك قرار منع الشبيحة من التشبيح وتملك قرار إخراج أصحاب الأجندات القادمين تحت بيارق أمن الطائفة خارج المعادلة.

وهذا القرار ليس قراراً سياسياً لأن النظام مُسيطر على هذه المناطق، ولكنه قرار أدبي يفهم معناه أبناء المنطقة، وذلك بسحب الحاضن الشعبي للحديث عن الأمان وإبعادهم عن الالتفاف حول الزعران.. لأن هؤلاء الزعران سيفقدون المبررات عندما يقايض الكبار الأمن بالأمن على خلفية حق الجوار.

مازلت منذ فترة أتحدث عن هذه الحالة وأكرس جهدي النظري لدعمها، ولكن للأسف الأطراف المتنافسة على التكسب من ملف الطائفة مع أو ضد - كما يحدث دائماً - تحاول سحب البساط لمصلحتها من الطرفين، ولهذا أكرر ندائي الأخير السويداء تحتاج مجلس عقلاء على أرضية غير سياسية خارج الأجندات تحمل فقط أجندة واحدة السلم الأهلي وذلك لانعدام فرص تحولها الثوري رغم وجود أعتى وأشد شباب المعارضة فيها، أفضل ما يمكن تقديمه لسوريا الحرة هو تحريم الدم لمنع الشبيحة من حمل الثأر وتحميله لنا، ولذلك نضحي بفكرنا الثوري وسط الجماعة ونعلي الصوت كأفراد.. فأيهما أكثر فائدة ومن هم الأقوى.. عزل الشبيحة شعبياً ومنعهم من الدفاع عن النظام أو المزاودة الثورية على المحافظة.. وعلينا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.