الاستيطان.. رقص على صفيح ساخن

مأمون شحادة
مأمون شحادة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

ازدياد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس، وتزامناً مع تعنت إسرائيل وضربها بعرض الحائط لكل القرارات الدولية، يضع المنطقة على صفيح ساخن يوقد بـ"نار" هادئة.

إسرائيل كعادتها تجيّش آلاف الممرات لاستعطاف الغرب ودق آخر مسمار في نعوش من تسميهم بالأعداء، وعلى ما يبدو أن الحقبة الحالية مغايرة لكل توقعات مطبخ السياسة الإسرائيلية ضمن الإطار الزماني والمكاني.

موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على بناء 1500 وحدة استيطانية في مدينة القدس المحتلة، يظهر مدى الغباء السياسي الذي تراهن عليه الحكومة الإسرائيلية.

الناظر من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، إسرائيلياً، يدرك جلياً أن إسرائيل تتخبط سياسياً بعيداً عن الاستراتيجية المعهودة لتسلسل الأفكار العبرية ومدى تقوية هالة الجذب تجاه الشعوب الأخرى وخصوصاً الغربية.

نتنياهو من ناحية التقييم السياسي إزاء قراراته المتسرعة وخصوصاً الاستيطان تعتبر هزيلة وضعيفة ومعدومة ضمن الرؤى الدولية، وهذا يستدل عليه من خلال ازدياد الحراك الذي أخذ يؤثر على الشارع الأوروبي، ناهيك عن تعدد مطالب بعض النواب الأوروبيين بإلزام إسرائيل وقف توسعها الاستيطاني وإعطاء الفلسطينيين حقوقهم المشروعة ضمن حدود العام 67.

تحرك الشارع الأوروبي لم يكن الوحيد ضمن دائرة الإدانة لإسرائيل، بل امتد إلى الوسط الأميركي على اعتبار أن الأعمال الإسرائيلية أصبحت تتجه نحو تدهور العلاقة الأميركية مع الشعوب التي تناصر القضية الفلسطينية، ومدى تخوفهم من ارتداد موجة الحراك العربي ضد مصالحهم الإقليمية.

هذه المؤشرات "حتماً" ستكون ضد المصالح الإسرائيلية الدولية، وإن كانت مختبئة تحت الرماد ستظهر جلياً فيما بعد، بحكم أن دورة المصالح العالمية تتغير بتغيّر فكر الشعوب، وإن حالة التدهور الدولية (السياسية والاقتصادية) لن تكون في صالح الرؤية الأميركية العالمية، إن استمرت في مساندة إسرائيل على حساب مصالح الشعوب الأخرى.

على نتنياهو أن يتيقن من أن إعطاء الفلسطينيين حقوقهم سيكون صمام أمان يضمن للإسرائيليين امتدادهم الخارجي، وفي حال استمرت بتهميش الحقوق الفلسطينية ستفقد العلاقة المتينة بينها وبين الشعوب الغربية، حتى ولو استمرت حكوماتهم بدعم إسرائيل.

زيارات وزير الخارجية الأميركي جون كيري لمنطقة الشرق الأوسط تحمل في طياتها علامات تعجب وتناقضات لا تتلاءم بموقف دولة عظمى ترعى مفاوضات السلام "الإسرائيلية- الفلسطينية".

وسط تلك الزيارات ها هي الضفة الغربية ما زالت تتعرض لهجمات منظمة من قبل قطعان المستوطنين وبدعم حكومي يميني في "مرحلة" تعتبر الأخطر مقارنة بالمجريات الزمانية والمكانية التي شهدتها القضية الفلسطينية.

كل ذلك يحدث على مرأى ومسمع الحكومة الإسرائيلية، وكأن تلك الهجمات أصبحت بديلاً للعمليات التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي، حيث أخذت تلك المجموعات المتطرفة تطلق الألقاب على فرقها المنتشرة بين أوصال الضفة الغربية، فمجموعة تدفيع الثمن، وحراس الهيكل، والقبعات الخضراء، وغيرها من التشكيلات المتطرفة تمثل منعطفاً يجب الانتباه إليه جيداً، لأنه يقود إلى هاوية ستدخل المنطقة في دوامة تحرق الأخضر واليابس.

الفلسطينيون يراقبون تلك الأعمال بحذر، ومن يعتقد أن التحركات الفلسطينية الفردية لن تكون رداً على تلك العمليات المنظمة، فهو واهم ويستظل بغيوم الصباح.

الأعمال الفردية - إن استمرت عربدة المستوطنين بازدياد - ستكون عنوان المرحلة المقبلة، حينها لن يستطيع أحد الإمساك بخيط من خيوطها، نظراً لتعقد تشكيلاتها المتناثرة.

إن تعثر عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ناهيك عن التلويح بورقة مشروع قانون إسرائيلي يقضي بأغلبية80 عضو كنيست، كشرط للتنازل عن أي جزء من القدس، سيضع احتمالات ربما لن يتصورها المطبخ السياسي الإسرائيلي نظراً لسياسة "التهميش" التي مارستها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وصولاً إلى ديماغوجية نتنياهو المتطرفة.

الاعتداءات الاستيطانية تتشابه من حيث الأطر الفكرية والزمانية والمكانية، لاسيما وإن فترة التسعينيات تذكرنا بما هو حاصل خلال هذه الأيام، حيث شهدت تزايداً في تنفيذ العمليات ضد الفلسطينيين وصولاً إلى مخطط يرمي لتقسيم الحرم الإبراهيمي الشريف.

على ما يبدو أن المطبخ الاستيطاني يسعى إلى إعادة الكرة مرة أخرى، ولكن باتجاه المسجد الأقصى، فهل ستكون على غرار المذبحة التي ارتكبها باروخ جولدشتاين؟

الجواب ربما يصاغ بـ"نعم"، وربما يتم التخطيط له ضمنياً بـ"لا"، فالاحتمالات كثيرة ومتعددة، والقرارات الإسرائيلية ستظل متوافقة مع ما ينتجه مطبخ السياسة والاستيطان.

إزاء كل هذه التطورات المفعمة بدهاليز السياسة الأميركية، ثمة سؤال يطرق أبواب البيت الأبيض، هل الجولات التي يقوم بها جون كيري تأتي بقصد السياسة أم للاستجمام السياحي؟

ورد في خبر أوردته الإذاعة العبرية "أن قيادة الجيش الإسرائيلي وجهت انتقاداً شديداً إلى وزارة المالية، للمطالبة بزيادة ميزانية الجيش بأربعة مليارات شيكل".

وفي وقفة سياسية على هذا الخبر، نضع مجموعة من التساؤلات: أولها، بما أن الجيش الإسرائيلي يعاني من نقص شديد في ميزانيته المالية، فكيف به يستطيع شن هجوم عسكري محلي أو إقليمي؟ وثانيها، لماذا تدعي الحكومة الإسرائيلية ذلك في الوقت الذي تعقد صفقات عسكرية كثيرة لتقوية عتادها العسكري؟

فيما يبدو أن الإجابة على هذه الأسئلة تعتبر ساذجة ولا تحتاج إلى تفكير مطلق أو ضيّق أو واسع بمقدار بعد العين عن آخر الأنف، لأن إسرائيل ترمي من وراء ذلك إلى تجديد لغة الدعم الغربي، لاسيما أن الغربيين يركزون على قوة الجيش الإسرائيلي أكثر من أي مجال آخر.

إذن، يتبين أن العقلية الإسرائيلية أصبحت قلقة إزاء ديمومة علاقتها بالغرب وخصوصاً الأوروبيين، وهي تصنع كعادتها فبركات سياسية وإعلامية وخصوصاً فيما يتعلق بالجيش، لإعادة أواصر التجاذب بينهما بعيداً عن التنافر... ولكن هل حاضر إسرائيل مثل ماضيها؟!

المرحلة الحالية وعلى اختلاف مشارب "التنافر والتجاذب" تحتم على جميع أطراف المجتمع الدولي التحرك العاجل لاحتواء الموقف ورد الحقوق إلى أصحابها دون الكيل بمكيالين أو النظر بعين واحدة، لأن الأمور تتجه نحو التصعيد المفتوح.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط