روحاني والخليج.. الحوار المطلوب
حسن روحاني، أو "الصديق القديم"، كما سمّاه عبد الرحمن الراشد، في أحد مقالاته بصحيفة "الشرق الأوسط"، مرحبا بانتخاب الإيرانيين لشخصية سياسية معتدلة "يعرفه السعوديون جيدا. كانت له بصمات مهمة في العلاقة مع الرياض تحديدا". مشيرا لدور روحاني في عقد اتفاقية أمنية مع المملكة، كان شريكه فيها، وزير الداخلية حينها، الأمير نايف بن عبد العزيز.
الرئيس القادم بتأييد شعبي كبير، ودعم من رئيسين سابقين (هاشمي رفسنجاني، محمد خاتمي)، يضع نصب عينه تحسين علاقات بلاده الخارجية، وتحديدا مع جهتين: دول الجوار الخليجي وفي مقدمتها السعودية، إضافة إلى الدول الغربية وفي طليعتها الولايات المتحدة، والتي حادث رئيسها باراك أوباما، في سابقة هي الأولى منذ انتصار الثورة في إيران العام 1979، مستندا في خطوته هذه على أساس "الوسطية" كمنهاج، يعمل عبره على "إزالة أسباب التوتر وسوء الفهم"، لبناء علاقات قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، داعيا الفرقاء السياسيين في إيران، إلى "تحييد السياسة الخارجية عن التجاذبات الحزبية".
وفق هذه الرؤية البرغماتية والواقعية، يسعى الرئيس روحاني إلى تحقيق هدفين: رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران، والتوصل لتسويات للملفات الإقليمية العالقة، وتحديدا الملف النووي الإيراني. لأنه يعلم أنه دون ذلك، فستبقى شرعيته معرضة لغضب الشارع الداخلي، الذي يهمه تحسين وضعه المعيشي، وخفض مستوى التضخم المتصاعد، والحد من البطالة من خلال توفير فرص عمل جديدة.
الرئيس العارف بدهاليز السياسة الإيرانية وتشابكاتها الإقليمية، والمدرك لما يلقيه التوتر الخارجي بظلال "سلبية" على الداخل، وفي حديث له إبان حملته الانتخابية لصحيفة "الشرق الأوسط"، أشار إلى أهمية بناء علاقة متوازنة مع السعودية، معلنا أنه يعتزم "تحويل الخصومة التي تفاقمت للأسف في الفترة الأخيرة بين البلدين إلى احترام وتعاون".
وهي خصومة لم تكن له يد فيها، بل أتت نتيجة السياسات المتخذة في عهد سلفه محمود أحمدي نجاد، الذي انتهج خطابا "متوترا" ألقى بظلال سلبية على العلاقة مع دول الجوار!.
العلاقات الجيدة بين الرياض وطهران، دشنت في عهد العاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبد العزيز، والرئيس هاشمي رفسنجاني، وكان ساعتها حسن روحاني، الممسك بزمام الملف الأمني، أحد مهندسي ومفاتيح هذه العلاقة.
وهي علاقة استمرت حسنة في عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، الذي زار المملكة، وقلده الملك فهد حينها، وسام الملك عبد العزيز، ليقول خاتمي له عبارته الشهيرة "كل ما يأتي من الحبيب، حبيب".
مسيرة "الود" هذه، لم تستكمل في عهد أحمدي نجاد، الذي برزت فيه الخلافات بين الدولتين إلى السطح، في ملفات عديدة، تتعلق بالملف النووي الإيراني، ونفوذ طهران الإقليمي، والوضع في العراق ولبنان، وصولا إلى تطورات ما بعد "الربيع العربي"، وتحديدا فيما يتعلق بالموقف من الثورة في سوريا، ومستقبل الرئيس بشار الأسد، ومساندة طهران وحليفها حزب الله للنظام في دمشق. مما أدى لفتور في العلاقة بين طهران والرياض، أرخى بظلاله على العلاقة مع دول الخليج العربية.
هذه التركة من "الاختلاف" السياسي، تثقل كاهل الرئيس روحاني، ساعيا لنفض غبارها، والتخفف من حملها. وهو في سعيه هذا يحتاج إلى دعم صريح وواضح وتفويض من مرشد الثورة آية الله خامنئي، ويحتاج لمناخ توافقي داخلي، يحول دون وضع العصى في دواليب الخطوات "الإصلاحية" التي يسعى روحاني القيام بها.
الإيرانيون يعلمون أن المصلحة الخاصة لهم، والعامة للمنطقة، تتطلب الدخول في حوار جدي وصريح مع دول الجوار العربي، والوصول إلى حلول عملية للمشكلات العالقة، لأن من شأن ذلك تخفيف حالة الاستقطاب السياسي والمذهبي، مما يمهد لوضع "خارطة طريق" توقف حمام الدم النازف في سوريا، وتساعد على دعم استقرار الدولة في العراق ولبنان، وتمهد كذلك لمناخ خليجي إيجابي. وذلك لا يمكن تحققه عبر التصريحات والنوايا الحسنة وحسب، بل تحتاج طهران إلى أن تبادر بخطوة إلى الأمام، والتخاطب بشكل مباشر مع العواصم الخليجية، ومد اليد لها، وعدم الاكتفاء بالحوار مع واشنطن والعواصم الغربية.
إن المباحثات الإيرانية مع الدول الكبرى (مجموعة 5 + 1) على أهميتها، إلا أنها خطوة ناقصة إلى الأمام، ما لم تتبعها طهران بحوار مع الرياض والعواصم الخليجية. لثلاثة: الأول، أن هذه الدول تشكل المحيط الإقليمي لإيران. والثاني، أن هنالك مشكلات حقيقية وجدية عالقة تحتاج لحلول سريعة وجذرية، وليس من المحكمة تجاهلها.
والثالث، أن للرياض وأبو ظبي والعواصم الخليجية تأثيرها في السياسة الإقليمية واحترامها في دوائر القرار الدولي. أي أنها دول مؤثرة، يستمع لها الساسة في واشنطن ولندن وباريس، وليست مجرد دول مصدرة للنفط وحسب، كما يعتقد بعض الساسة في طهران.
الوقت يمضي سريعا، والتأخير معناه تراكم المشكلات، وتجذرها، فهل ستشهد الأسابيع القادمة حوارا إيرانيا خليجيا، أم هي خطوة لم تلح في الأفق المنظور.