.
.
.
.

القاهرة وموسكو من جديد

أمجد عرار

نشر في: آخر تحديث:

حركة مكثّفة على جبهة العلاقات المصرية الروسية، وهي حركة غير مسبوقة منذ العلاقات بين مصر في عهد جمال عبدالناصر والاتحاد السوفييتي . الأيام المقبلة ستجسّد كل ما يشير إلى ارتقاء هذه العلاقات وما تظهره وتضمره من دلالات على المديين القريب والبعيد . السفينة الحربية الروسية “فارياغ” وصلت الأحد إلى مرفأ الإسكندرية واستقبلتها البحرية المصرية بمراسم رسمية، وكان من العادي أن ينظر البعض إلى هذه الزيارة باعتبارها روتينية، لكن كونها جاءت بعد عقود من البرود الدبلوماسي والقطيعة العسكرية بين الدولتين، يجعلها أبعد ما تكون روتينية أو حتى عادية، ولعل الأسابيع وربما الأيام المقبلة كفيلة بالإفراج عن الدلالات المهمّة لهذه الخطوة النوعية .


اليوم سيصل القاهرة وزيرا الدفاع والخارجية الروسيان، سيرغي شويغو وسيرغي لافروف . هذه الزيارة التي تجمع رأسي العسكرية والدبلوماسية في موسكو تمنح ما ذهبنا إليه مصداقية إضافية . السفير الروسي في القاهرة سيرغي كيربتشنكو كان شديد الوضوح في حديثه عن أهمية هذه الزيارة، وليس هناك أوضح من تأكيده أن هذين الوزيرين لا يزوران معاً، وفق صيغة تسمى في موسكو (2+2)، سوى دول كبرى مثل الصين وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، ما يؤكّد أن هذه الزيارة تمثّل فصلاً جديداً في مسيرة العلاقات بين البلدين، وإحياء للعصر الذهبي بينهما، إذ يعيش كل منهما مرحلة النهوض واستعادة الدور .


مصر بعد انتفاضتين أطاحتا نظامي اليمين السياسي ممثّلاً بنظام مبارك، والإسلام السياسي ممثّلاً بنظام الإخوان المسلمين الذي لم يفعل طوال عام كامل سوى “الأخونة” وإعادة إنتاج نظام التبعية والارتهان للغرب وحبال الجر المسماة “مساعدات” . وبعد انتفاضة 30 يونيو اختارت مصر أن تنحاز لعروبتها واستقلالها الوطني، وأن تبدأ مرحلة الكرامة القومية الرافضة للابتزاز ووضع كل البيض في سلّة أمريكا التي لا تخفي ربط “المساعدات” بالشروط السياسية، وآخرها ما نشر عن مطالبتها بعدم محاكمة الرئيس المعزول محمد مرسي، والإفراج عنه .


وبالنسبة لروسيا فهي منذ انطواء الصفحة اليلتسنية، وصعود نجم حزب روسيا الموحّدة بقيادة فلاديمير بوتين، شقّت طريق العودة إلى هيبتها وقوّتها كدولة عظمى، وبرهنت خلال حرب القوقاز عام 2008 أن الدب الروسي أنهى بياته الشتوي . ولعل يقظة موسكو إزاء خطط الغرب بنشر الدرع الصاروخية في أوروبا بما يصل إلى مشارف روسيا، وكذلك عودتها كلاعب أساسي غير قابل للتجاوز في الملفات الإقليمية، كملفي إيران وسوريا، مؤشرات على استعادتها موقعها في القطبية الدولية، وهي المعادلة التي تحتاج إليها البشرية كلّها بعدما جرّبت الأحادية القطبية وكانت نتيجتها الحروب والغزوات الاستعمارية، والتدخّل السافر والفج في الشؤون الداخلية للعديد من الدول .


قبل نهاية العام يزور الرئيس الروسي بوتين مصر، هي ستكون تتويجاً للزيارتين العسكرية والسياسية، وفي الوقت نفسه نقلاً لانطلاقة العلاقات المصرية الروسية إلى بداية أعلى مستوى وشأناً . النشطاء المصريون من رواد الانتفاضتين، كرّروا أكثر من مرة أن الشعب المصري سيستقبل الرئيس الروسي بما يليق به وما يمثّل . ومن تابع انتفاضة يونيو ولاحظ كثافة صور بوتين إلى جانب صور عبدالناصر، بإمكانه أن يتوقّع مشهداً جماهيرياً يعيد للأذهان زيارة خروتشوف لمصر عام ،1964 وحينها سيكون التدشين السياسي لعهد استعادة مصر لما كانت عليه من دور وفاعلية في عهد عبدالناصر .

*نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.