.
.
.
.

الاستقلال الحقيقي

إبراهيم عباس

نشر في: آخر تحديث:

مرت بالأمس الذكرى 25 لإعلان وثيقة الاستقلال الفلسطيني، وهي فرصة أخرى لنقارن بين الأوضاع الفلسطينية حينذاك والأوضاع الراهنة.. فرصة للتقييم والتدبير وإعادة التفكير..

فالمفترض أن يكون هذا الاستقلال قد تحقق بالفعل على أرض الواقع بعد مرور ربع قرن، لاسيما وأن إعلان الاستقلال هذا الذي كان نظريًا ورمزيًا، صدر في ظل العديد من الانتصارات النضالية التي تحققت للثورة الفلسطينية ووصلت إلى ذروتها باندلاع الانتفاضة الفلسطينية التي أشعلها أطفال الحجارة والتي كانت في أوجها في ذلك الوقت، في الحقيقة لست معنيًا هنا بالمقارنة بين ما كان عليه الشعب الفلسطيني في تلك الأيام التي كانت المقاومة أمضى أسلحتها النضالية

وعندما كان المواطن الفلسطيني يصل إلى المسجد الأقصى من أي مدينة أو قرية فلسطينية بلا عوائق، وعندما كان العالم ينظر إلى الفلسطيني نظرة احترام وتقدير، ويعتبر مناضلو الثورة الفلسطينية مقاتلين من أجل الحرية، لست معنيًا بذلك، إلا من زاوية ما كان مفترضًا في حينه، بأن يجني هذا الشعب الصابر المثابر ثمار نضاله الطويل

لكنني معني بشكل أكبر بالبحث عن إجابة مقنعة للسؤال: كيف ضاع الحلم وتبدد الأمل حتى صار الشعب الفلسطيني يترحم على تلك الأيام ويعيش واقعًا مريرًا تحت ظل التهويد والانقسام والحصار، حيث نجحت إسرائيل خلال هذه الحقبة من زرع نصف مليون مستوطن يسكنون (130) مستوطنة وحيث أصبح جدار الفصل العنصري الذي يبلغ طوله 670 كم يقسم مدن وقرى الضفة الغربية المحتلة إلى كانتونات ت فيما أوشك مخطط تهويد القدس على الانتهاء، وأصبح المسجد الأقصى يواجه مصير الحرم الإبراهيمي.

في الوقت الذي أصبح فيه الانقسام بين فتح وحماس واقعًا سياسيًا يحتاج إلى معجزة لتغييره؟ من السهل أن نلقي بالمسؤولية إزاء هذه الانكسارات والتراجعات على (أوسلو)، والمفاوضات (العبثية)، والقيادة الفلسطينية (فتح وحماس)، والأمم المتحدة التي تمنح استثناءاتها لإسرائيل بسخاء، لكننا نغفل في خضم ذلك كله عن رؤية الحقيقة والتي تنص على أن نجاح المشروع الصهيوني في السيطرة على مقدرات الأمة، يشترط أولًا فك الارتباط بين هذه الأمة وقضية فلسطين، والحيلولة دون تحقيق التضامن بين شعوبها بزرع بذور الفتن والحروب والانقسامات بينها، حتى تصبح لقمة سائغة قابلة للابتلاع.. وما ثورات الربيع العربي التي نشاهد تداعياتها الآن إلا جزء من هذا المخطط الصهيوني - الاستعماري الذي نجح في تغيير مساراتها في اتجاه خدمة مصالحه.. لكنني أرى، رغم هذا المشهد القاتم، أن تصحيح المسار الفلسطيني والعربي لوقف هذه المخططات الخبيثة وتحقيق الاستقلال الفلسطيني الحقيقي دولة وأرضًا وقدسًا، يتطلب فلسطينيًا تفعيل المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها لأنها اللغة الوحيدة التي تفهمها إسرائيل، وعربيًا إعادة اللحمة للتضامن والموقف والقرار العربي، باعتباره الضمان الوحيد لصمود الأمة في مواجهة تلك المخططات الخبيثة.

*نقلا عن "المدينة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.