أي أفق للتفاوض الغربي - الإيراني؟

محمود الريماوي

نشر في: آخر تحديث:

"التقارب" بين إيران والولايات المتحدة ليس تقارباً حتى الآن، فهو لاينطوي على تفاهمات سياسية ، ولا يؤشر على مصالح ثنائية تجري تنميتها، أو حتى الحفاظ على مستواها، بل إن ما يجري منذ شهرين هو توجه ثنائي لنزع فتيل التوتر، وتبريد الخلافات ومنح فرصة للتفاوض . . حول ماذا؟ حول الملف النووي الإيراني حصراً، وحول العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على إيران .

أوباما يطالب الكونغرس هذا الأسبوع بعدم تشديد العقوبات على هذا البلد . يطالب بذلك وليس برفع العقوبات، أو الحد منها وهو ما شدد عليه الوزير جون كيري في مخاطبته للكونغرس قائلا إن واشنطن لن تتراجع عن حزمة العقوبات المفروضة على طهران . "لسنا أغبياء ولسنا عمياناً" قال كيري في تصريح آخر حول الموضوع ذاته، علماً أنه تم تخفيض طفيف على هذه العقوبات يشمل تقليص الحظر على شخصيات ومؤسسات إيرانية، ولغايات تفاوضية .

ثمة هدف أمريكي ثابت بالحد من تطور المنشآت النووية الإيرانية، مع صعود روحاني إلى رئاسة الجمهورية وهو المعتدل في معسكر المحافظين والمفاوض المتمرس السابق، تجد واشنطن كما هو بادٍ الفرصة سانحة لإجراء مفاوضات أكثر جدية مع طهران . بالنسبة لهذه الأخيرة فإن التحرر الجزئي من قيود العقوبات هو هدف ثابت لدى روحاني، كما عبرت عن ذلك حملاته الانتخابية وتصريحاته الوفاقية الأولى بعد انتخابه .

هذه هي المصلحة المشتركة الحالية بين الجانبين . مع الأخذ في الاعتبار نزوعاً ثابتاً بدوره لدى الادارة الديمقراطية في واشنطن بالكف عن عسكرة السياسة الخارجية، والاعتماد بدلاً من ذلك على النفوذ السياسي الهائل لواشنطن . ثمة قول مأثور يفيد بأن ما يمكن انتزاعه بالجهد السياسي، فإن من الحمق أو التهور الشديد التفكير بانتزاعه بوسائل عسكرية . هذه المقولة تكاد تلخص المنحى الذي يتخذه حالياً أوباما وأركان إدارته .

الناطق باسم الرئاسة الأمريكية جاي كارني صرح الخميس 15 نوفمبر/تشرين الثاني بأن الأمريكيين "يفضلون حلاً سلمياً يمنع إيران من اقتناء السلاح النووي" وذهب الناطق أبعد من ذلك إذ صرّح بأن "الرئيس أوباما يرفض أي مغامرة عسكرية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط" .

ما حدث بخصوص الأسلحة الكيماوية السورية هو مثال على ما تقدم . استخدمت واشنطن توجيه ضربة عسكرية إلى دمشق كوسيلة ضغط قوية، نجحت هذه الوسيلة إذ أبدت دمشق استعدادها لتعاون كامل، فسارعت واشنطن من جهتها لاعتماد سلوكٍ آخر . ومن يرى أن ثمة توجهاً أمريكياً لنزع الأسلحة الكيماوية والنووية من الحلف الإيراني - السوري، فإنه لا يجانب الصواب .
هناك ما يمكن وصفه بتنازلات غربية محتملة عبر اتفاق مؤقت يؤدي إلى تخفيف العقوبات، رغم فشل اجتماع مجموعة خمسة زائد واحد في جنيف التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، فالأمر في النهاية يتعلق بتنازلات متبادلة كحال اية مفاوضات . وطهران لا تسعى فقط لكسب الوقت، بل تعمل بصورة مثابرة على رفع ولو جزئي للعقوبات يؤدي للإفراج عن أرصدة طائلة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات في مصارف غربية . وفي دعمها المفتوح لدمشق منذ عامين على الأقل، فلا شك أن هذا الدعم يضع على كاهل طهران عبئاً مالياً كبيراً يضاف إلى عبء العقوبات.

وتيرة المفاوضات ترتدي أهمية خاصة، إذ إن النتائج الجزئية المرحلية قد لا تقل أهمية عن النتائج النهائية . . إذا كانت هناك نتائج نهائية . إذ يُخشى مع رفع جزئي للعقوبات ومع وقف مؤقت ل"تخصيب اليورانيوم" أن تتعطل بعدئذ المفاوضات، فتسترد طهران أموالها المحتجزة، وتستأنف مباشرة عقب تعطل المفاوضات أو تجميدها برامجها النووية، مع تحميل الطرف الآخر مسؤولية إخفاق المفاوضات .


الجانب العربي خاصة الجوار الخليجي يتضرر كثيراً وبصورة تفوق الوصف من إيران النووية . ومن المصلحة الاستراتيجية ألا يقتني الجار سلاح دمار شامل، كما أن ليس من مصلحة الإيرانيين أنفسهم الذهاب بعيداً في التسلح على حساب رفاه شعبهم وبإثارة قلق الجيران الأقربين وزعزعة ثقتهم، مع أهمية السعي العربي ومعه الإيراني خلال ذلك إلى إقامة شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية، وهو ما عبر عنه الرئيس روحاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة .

الجانب العربي ومنه الخليجي ليس طرفاً في المفاوضات الإيرانية - الغربية، لكن الحضور على الساحة الدولية يسمح بطرح وجهات النظر في مختلف المنابر ودوائر صنع القرار، واستخدام النفوذ الاقتصادي والتمسك بموقف سياسي واضح وصريح .


فالمطلوب من الجميع وقف اللجوء إلى عسكرة السياسة وتصعيد التسلح، ففي ذلك مصلحة للجميع، والاعتدال الإيراني المُرحب به الذي يمثله الرئيس روحاني لا بد أن يقرن الأقوال بالأفعال، وإذ يبتعد شبح المواجهة الأمريكية - الإيرانية كما تدل على ذلك التطورات الأخيرة منذ أسابيع، رغم الضغوط التي تبذلها تل أبيب باتجاه دوائر القرار في واشنطن، وهو أيضاً أمرٌ مرحب به، فإن البديل عن ذلك كله ليس الغموض المحفوف بالأخطار والشكوك، وليس كسب الوقت وتأجيل الحلول، بل أن تسود سياسة إقليمية سلمية، لا محل فيها لتدخلات خارج الحدود، ولا موضع فيها لتسويغ هذه التدخلات . . سياسة مفعمة بروح التعاون ووقائعه، ومعنية في المقام الأول برفاه الشعوب وتقدمها -

نقلاً عن صحيفة "الخليج الإماراتية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.