.
.
.
.

الحزبية المتوحشة

بدر سليمان العامر

نشر في: آخر تحديث:

يتمحور الكثير من الناس حول شخص أو فكرة أو جماعة، فُتسلب الإرادة والتفكير، ويتماهى الإنسان فيها حتى يكون محامياً عن هذا الشخص أو هذه الجماعة أو هذه الفكرة حتى تعتبر هي معالم الوجود الحقيقي للذات، فبها يحيا وعليها يموت وفي سبيلها يجاهد.
تنشأ الحاجة إلى الجماعة الحاضنة أو الحزب الذي ينتمي إليه الإنسان من حاجة الإنسان إلى "رمز" يتعلق به، أوسبيل إلى أن يحقق ذاته وخاصة حين لا يكون بمقدوره أن يكون رمزاً بذاته، ولأن الانتماء حاجة فطرية فإن تلمس الناس لجو خاص ينتمي إليه أمر مفهوم لفهم الطبيعة الإنسانية.
إن المشكلة التي تعترض طريق المتحزبين هي العنف الولائي الذي يجعل فكر الحزب والجماعة مقدما على كل شيء، بل إن كل القيم التي يبشر بها الإنسان تتلاشى حين يمس هذا الحزب أو يتعرض له بنقد، فينقلب الحزبي إلى وحش كاسر لا يلوي على شيء، ويبيح في سبيل الدفاع عن عرينه أعراض الناس وربما دماءهم..
عندما يتم التحزب على أساس فكرة "دعوية" أو "عقدية" فإن الأمر يكون أشد، ذلك لأن هذا الإطار يجتمع فيه التحزب والولاء الديني الذي تبرز فيه الحزبية أشد وأنكأ، وخاصة حين يكون الولاء الحزبي متلبسا بالشعارات الحقوقية أو الدعاوى السلفية أو الأفكار السياسية التي تحيل كل خصومها إلى أعداء صرحاء، وهذا البعد هو الذي حذرت منه الشريعة ووقفت منه موقفاً صريحاً لا تأويل فيه، فالله تعالى يقول: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء)، وقال: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب إليم)، بل إن الله جعل تشرذم الأمة شيعاً نوعا من أنواع العقاب الذي ينزله الله على هذه الأمة، (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض).
والعلة في مشكلة الحزبية ليست في المعاني التي تجتمع عليها الجماعات والأحزاب فقد تكون معاني صحيحة وحقا، وإنما المشكلة في التحزب حول بعض المفاهيم التي تكون محل الولاء والبراء، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (وليس لأحدٍ أن ينصِّبَ للعامة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليه غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه، ويعادي عليه غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمّة؛ ويوالون به على ذلك الكلام ويعادون)، بل بين أن هؤلاء حتى ولو اجتمعوا على أمر حسن وحصل فيه ولاء وبراء فهو من التحزب المذموم فقال: (وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى، كما قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، وقال: (وأما رأس الحزب؛ فإنه رأس الطائفة التي تتحزب؛ أي: تصير حزباً، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان؛ فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق والباطل؛ فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان)، والواقع يثبت أن الأحزاب تفرق ولا تجمع، وتوقع بين الناس العداوة والبغضاء، وتربي الأتباع على التعصب والإعراض عمن لا يدخل في حزبهم، وكأن ابن تيمية -رحمه الله- يرسم صورة المستقبل قبل مئات السنين وما تعاني منه الأمة اليوم.
وإن من أعظم مشكلات الحزبية أن تكون المصالح الحزبية الضيقة هي التي تحكم الحركة والمنهج، فالمصالح هي مصالح الجماعة والحزب، والمفاسد هي مفاسد الجماعة والحزب، حتى ولو كان ذلك على مصالح الوطن وجماعة المسلمين، فتتحول الأحزاب التي ترفع شعارات الإصلاح داخل الأوطان الإسلامية إلى جزء من المشكلات وليست جزءا من الحلول، ويعاني الناس منها ومن تصنيفاتها وفتكها بخصومها حتى ولو كانوا من الأتقياء الأبرار، وهذا بلا شك يذهب رونق التجرد لله وللحق، ويعرض الإسلام للناس بصورة شوهاء تنفر الجيل عن الدعوة والرسالة فيكون ضحية للأفكار المنحرفة أو الإلحادية والعدمية.
إن بين التحرر العقلي والعلمي حواجز كثيرة، وإن من أعظمها وأشدها الولاء الحزبي الذي يتمحور حول أفكار تؤطر عقل الإنسان فلا يستطيع الفكاك منها أو التفكير خارج صناديق الأحزاب وأجنداتها، فيعيش حياته كلها في هذا الطوق الهش من الفكر والرؤية، ويكون في الغالب مركوباً لتحقيق أغراض غير مكشوفة له، فيذهب عمره عبثاً، ويقتل الحزب في داخله الإبداع والفرادة والجدة، ويرسم له قادة الحزب مسارات الرؤية التي لا يستطيع أن يتخطاها وإلا سيفقد وجوده المعنوي وتضيع مصالحه التي يحققها له الحزب في مقابل كرامته أو حريته أو كينونته وإنسانيته.

*نقلا عن "الوطن" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.