.
.
.
.

مصري في لندن

محمد صلاح

نشر في: آخر تحديث:

قبل أن يصل المواطن المصري إلى العاصمة البريطانية لندن يعتقد أنه سيبتعد، ولو قليلاً، أو سيفتقد أجواء بلاده وأحزانها وصراعاتها وضجيجها وهدوءها.

لكنه يكتشف، حتى وهو في المطار وقبل أن يغوص في شوارع لندن وناسها، أن الحدث داخله، إن لم يكن سيحيط به من كل جانب، إذ صار عليه أن يشرح ويوضح وينقل ويفسر ما يجري في ربوع مصر لهؤلاء الذين يلاحقون أخبارها وأحوالها من بعيد، فتسنح له فرصة النظر إلى بلاده من بعيد. طبيعي أن يشعر بعض المصريين بقلق تجاه مستقبل بلدهم وتأثير الصراع بين «الإخوان المسلمين» ومناصريهم من جهة وبين الدولة وباقي فئات الشعب من جهة أخرى، رغم أن المصريين أنفسهم أصحاب الحلول وهم الذين سيقررون شكل دولتهم في المستقبل وأحوالها، وبإرادتهم سيحددون مصير جماعة «الإخوان» وما إذا كانت ستعود جماعة تربوية دعوية أم فصيل سياسي يشارك كغيره، إذا تغير، في الحياة السياسية.

وليس غريباً هذا الشغف بأحوال مصر وتداعيات إسقاط حكم «الإخوان»، وما ينتظر أكبر بلد عربي من فعاليات وما يحدث كل يوم على أرض الواقع بين المقيمين في لندن، خصوصاً بالطبع العرب والمصريين، إذ لا تكاد تدخل محلاً تجارياً أو صحيفة أو منتدى عام أو حتى مستشفى ويعرف الحضور أنك أتيت من القاهرة إلا ويحاصرونك بأسئلة عما جرى وما يجري وملاحظات المستقبل. فتدرك على الفور أن الصورة لديهم ربما تحوي تفاصيل أكثر من اللازم فتشوهت أو بدت غير واضحة أو تداخلت خيوطها وخطوطها.

مصر من الخارج غير تلك التي يعيشها المصريون على أرض الواقع، فالمبالغة هي سمة الحديث وتأثير إعلام جماعة «الإخوان»، والمنحاز إليها يبدو واضحاً، وحملات الدعاية في وسائل إعلام غربية ضد الحكم الجديد أربكت عقولاً ترى على الشاشات عكس ما يُروج له إعلام «الإخوان» ودعايتهم، فحدث التشويش وتفجرت الأسئلة. على الجانب الآخر هناك فقر المعلومات أو نقصها وكذلك التضارب في تفسيرها.

يسألك أحدهم أنت مع السيسي أم ضده، بينما آخر يباغتك «أنت مع الانقلاب أم مع الشرعية؟»، وبعدها بلحظات قد تجد نفسك في أتون حوار لا نهاية له أو قل لا نتيجة له، خصوصاً إذا كان محاورك عقائدياً لن يتركك قبل أن يدعو لك بالهداية إذا ما وجدك تحكي عن أمور لا تعجبه أو تكشف ما لا يحب أن يُكشف أو تعرف ما لم يكن يدرك أنك تعرفه.

في شوارع بعينها في العاصمة البريطانية تجد كل ألوان الطيف السياسي المصري: «الإخواني» والليبرالي والناصري والمؤيد للسيسي والمعارض له والنشطاء المخلصين لثورة 25 يناير والمتمردين المنتمين لثورة 30 يونيو شملهم بعض الذين مارسوا السياسة وآخرون فاتهم قطارها وآخرون فروا منها أو كرهوها أو لا يتعاطونها وإن وجدوا أنفسهم مضطرين لملاحقتها.

الولع بمصر في لندن حتى بين غير المصريين مبرر، والرغبة في تفسير المواقف والتصرفات من كل الأطراف الفاعلة على الساحة المصرية ملحة. والجدل والصراع والتناحر في مصر موجود في منتديات العاصمة البريطانية، ولكن من دون حجارة أو مولوتوف. أكثر ما يؤذي مشاعر المصري الزائر للندن أن يدرك أنه صار عنصراً في خبر، وأن بلده أصبحت تحتل فقرة مهمة في النشرات، تماماً كما العراق أو الصومال، خصوصاً أن ما يرد في الأخبار والنشرات لم يعد عن نشاط ثقافي أو فني أو مؤتمر علمي أو متحف أو أثر فرعوني أو إسلامي وإنما دائماً عن المخلوع والمعزول، والثورة والانقلاب، والصدامات والاحتجاجات... والدم والموت.

*نقلا عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.