نحو عرقنة لبنان
دخل لبنان في مرحلة العرقنة، أي أن وسائل الصراع تشبه تلك التي تحصل في العراق . منذ أربعة أشهر حصلت عمليات تفجيرية عدة طاولت أكثر من منطقة وجهة عبر سيارات مفخخة أو عبوات ناسفة أو صواريخ . إلا أن التفجير الأخير الذي استهدف السفارة الإيرانية في بيروت نفذه انتحاريان حسب المعلومات المتوفرة، وتبنته إحدى مجموعات "القاعدة" .
ادعاءات بعض القوى السياسية في لبنان بإمكان حصر المواجهة في سوريا أو ممارسة نوع من "الحرب الاستباقية" في سوريا ثبت فشلها . فضلاً عن خطأ التصورات المختلفة عن طبيعة الحرب الدائرة هناك . تطورت الأزمة في سوريا خلال سنتين ونصف السنة من حال إلى حال بفعل الخيارات العسكرية التي كان النظام يعتقد أنها قادرة على حسم الموقف . ثم شكّلت هذه الخيارات سبباً لتداعي التدخلات الخارجية العسكرية بعد أن سادت الفوضى وتراجعت اهتمامات النظام عن حماية الحدود لمصلحة قمع الاحتجاجات الداخلية .
لا نعتقد أن النظام أراد بوعي هذا المشهد السوري لكنه بالتأكيد منذ اللحظة الأولى أراد تصوير الأزمة على أنها بفعل مؤامرة خارجية منظمة ومدبّرة وأن خصمه فيها هو القوى "الإرهابية" أو الجماعات المسلحة المتطرفة وذات التوجهات الدينية المغالية .
على أي حال، جرى تدويل الأزمة السورية انطلاقاً من المواقف السياسية التي أرادت استثمار هذه الأزمة في اتجاهات مختلفة . ومنذ اللحظة الأولى تعاملت القوى الخارجية على أن المعركة هي حول الخيارات والتوازنات الإقليمية وليس حول الطبيعة الداخلية للنظام وعلاقته بشعبه . اللبنانيون بالذات كانوا في قلب الحدث السوري . فهم منذ خروج القوات السورية في إبريل/ نيسان 2005 على أثر القرار الدولي 1559 لم يشعروا بأنهم أصبحوا في استقلال عن النزاع المفتوح بين التحالف الغربي وتحالف ما يعرف "بمحور الممانعة" أو التحالف السوري الإيراني .
ورغم المساعي المتواصلة لتطبيع العلاقات السورية - اللبنانية التي بلغت ذروتها في المصالحة بين زعيم تيار "المستقبل" ودمشق عام،2009 فإن محاولة تحييد لبنان عن صراع المحاور لم تنجح، وظلت دمشق وحلفاؤها في سعي إلى إدراج الساحة اللبنانية في أوراق النزاع الإقليمي .
فحين اندلعت الأزمة السورية كان لبنان مهيّأ للرهان على نتائجها بين الراغبين في تغيير النظام السوري والراغبين في الإبقاء عليه على أساس التوازن السياسي الإقليمي وعلى مصير الهوية السياسية للمشرق العربي من لبنان إلى العراق .
لم يكن تدخل اللبنانيين في سوريا أمراً يمكن حصوله من دون تداعيات على المناطق الحدودية والسكان المتفاعلين مع هذه الأطراف، ولا عن التأثيرات السياسية المتعلقة بعبور المسلحين والسلاح وكيفية تعاطي القوى الأمنية معهم . لم يتوقف السجال السياسي والاتهامات المتبادلة وامتد إثر ذلك إلى أطراف سورية هدّدت علناً بردود فعل على القوى اللبنانية . ترجمت هذه التهديدات في مسلسل التفجيرات حتى ظهر أن الحديث عن إبعاد خطر النزاع المسلح عن لبنان وهم خالص . بل إن 18 جولة من العنف في طرابلس الشمال بين منطقتي باب التبانة وجبل محسن كانت أصداء أو تردّدات لهذا النزاع . الحدود بين لبنان وسوريا ليست في عهدة القوى الأمنية الشرعية التي لا تملك القرار السياسي ولا تملك الإمكانات للسيطرة عليها .
أما تدفق النازحين الذي جاوز المليون نازح بشكل أكيد فهو يستجر معه مخاطر أمنية كذلك . وإذا كانت التفجيرات هي أعمال استخباراتية يمكن أن تحصل في ظروف أمنية وسياسية مستقرة وقد تصعب السيطرة عليها، فهي تصبح أكثر سهولة في حالة الفوضى.
وعدا الأضرار البشرية والمادية التي تسبّبها فهي تشكّل إرباكاً فعلياً للقوى المعنية بالاستهداف وتسلّط الضوء على عجزها عن اتقاء مثل هذه الأعمال وتخترق سلطتها لتؤكد عدم تسليم الطرف الآخر بهذه السلطة وهذه القوة .
هذه الوسيلة مازالت تستخدم في العراق بعد عشر سنوات من الحرب، وبعد وجود عملية سياسية ليست محل توافق من جميع الفئات العراقية . وهي تستخدم في سوريا خاصة في المناطق التي يسيطر عليها النظام لكي تثبت عدم جدوى السيطرة العسكرية، وبدأت تستخدم في لبنان للقول إن أي جهة تمارس الهيمنة في لبنان أو أي منطقة لا تستطيع أن تجعلها في مأمن من التحديات الأمنية .
هذه "العرقنة" لن تتوقف طالما أن الدولة سائرة إلى هذا الضعف في شرعيتها وهيبتها وقوتها، وطالما بلغ الصراع هذه المرحلة من محاولات إخضاع الآخر وعدم محاورته ومشاركته تمهيداً لبناء سلطة مركزية تحظى بإجماع القوى الفاعلة .
* نقلا عن جريدة "الخليج"