اتفاق جنيف: الدراما العالمية والمأساة المشؤومة
بعد الاتفاق الذي أبرم في جنيف، يوم الأحد الماضي 24 نوفمبر 2013م، بين ايران والدول الست أو 5+1 بشأن البرنامج النووي الايراني، كثير من المهتمين والمتابعين للشأن الايراني فوجئوا بأمرين رئيسيين، الأمر الأول هو: سرعة التوصل إلى الاتفاق والذي تم إبرامه في أقل من ثلاثة أسابيع، بعد عقد من التوتر الدولي والتأزم السياسي حول واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وخطورة، حيث تتعلق ببرنامج نووي شائك ومشتبه باحتوائه بعداً عسكرياً وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
إلا أن ما تم الكشف عنه مؤخرا، أن هذا الاتفاق سبقه سلسلة من الاجتماعات السرية بين طهران وواشنطن على مستوى رفيع، بدأت منذ عام تقريباً في أواخر عهد أحمدي نجاد والتي مهدت الطريق للاتفاق المرحلي في جنيف، والذي يتم بمقتضاه تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم.
كانت وكالة اسوشيتد برس أول من أعلن عن هذه الاجتماعات بالتفصيل وأكدها لاحقا مسئولون أمريكيون ومسئول إيراني سابق.
فوفقا للوكالة، كانت هذه الاجتماعات السرية بموافقه شخصية من الرئيس أوباما، وبموافقة متحفظة من المرشد الاعلى علي خامنئي الذي كان متشككا من نتائج هذه الاجتماعات، لكنه وافق على عقد كل الاجتماعات.
مثل الجانب الأمريكي، وفقا للوكالة مسئولون رفيعو المستوى، أمثال: وليام بيرنز نائب وزير الخارجية الأمريكي وكبير المفاوضين الأمريكيين سابقاً في الملف النووي الإيراني وجيك سوليفان مستشار نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن للأمن القومي، وبونيت تالوار عضو مجلس الامن القومي التابع للبيت الأبيض.
أما من الجانب الايراني وقد جرت تحت مسؤولية أربعة مسؤولين، يترأسهم إسفنديار رحيم مشائي نائب الرئيس السابق احمدي نجاد وصهره. جرى اللقاء الاول في سلطنة عمان، فبعد ازمة الرهائن الامريكيين الثلاث سارة شرود وشين باور وجوش فتال، والذين اتهموا بالتجسس بعد أن اعتقلوا أثناء تجولهم في رحلة سيرًا على الأقدام على طول الحدود العراقية- الإيرانية، تدخل السلطان قابوس في الافراج عنهم.
وبعد نجاح جهوده في الافراج عن الرهائن عمل السلطان دور الوسيط في تسهيل التقارب بين الولايات المتحدة و إيران، إذ اجتمع مسؤولون أميركيون وإيرانيون في عمان مارس الماضي ثم جرى لقاء بعدها في نيويورك وتكررت اللقاءات بين الجانبين، وبعد انتخاب روحاني توجهت أمريكا لإجراء عدد من المحادثات الثنائية مع إيران على مستوى وزراء الخارجية، واعتقد ان هذه المحادثات سوف تتواصل مستقبلا بين ويندي شيرم مساعدة وزير الخارجية الامريكي وعباس عراقجي نائب وزير الخارجية الإيراني وكبير المفاوضين الايرانيين.
وعليه فإن الانفراج بين الجانبين لم يتم بفضل المحادثات التي تم اجراؤها في جنيف، بل بفضل المحادثات المباشرة التي اجراها الامريكيون مع الايرانيين اشهر طويلة والتي انتهت باتفاق جنيف. أما الأمر الثاني الذي اثار انتباه كثير من المراقبين والمحللين فهو ان ايران في هذا الاتفاق قدمت تنازلات كبيرة، في المقابل حصلت على وعود لا اقل ولا اكثر مما اظهر ان ايران هي الطرف الخاسر في هذه المفاوضات.
فبموجب الاتفاق توقف إيران تخصيب اليورانيوم عند خمس في المائة وتسمح للمفتشين الدوليين لتفتيش مواقع نووية بشكل يومي، وفي المقابل، تمنح سبعة مليارات دولار.
وكذلك تتعهد الدول الست بعدم فرض عقوبات جديدة على إيران خلال الأشهر الستة المقبلة، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل حول ملف إيران النووي خلال هذه الفترة.
إذن قيمة الصفقة بلغت سبعة مليارات دولار وهو لا يمثل ولا حتى 5% من التكلفة التي تكبدتها الحكومة الايرانية تحت نار العقوبات الاقتصادية، حيث ان معظم احتياطي إيران من النقد الأجنبي الذي يصل إلى 100 مليار دولار لا تزال مقيدة بسبب العقوبات.
فهذه الاموال، حسب كثير من المراقبين، لا تحدث فرقا كبيرا، فخلال فترة الستة الأشهر المقبلة، ستخسر إيران نحو خمسة مليارات دولار شهريا من مبيعات النفط، أي ما يعادل 30 مليار دولار، بينما تحصل على سبعة مليارات فقط من تخفيف العقوبات خلال الفترة نفسها.
الا ان قراءتي وتفسيري لما تم الاتفاق عليه هو ان هناك نقاطا تم الاتفاق عليها ولم يتم الاعلان عنها فيما يتعلق بدور ايران الاقليمي.
فما قدمته ايران في هذا الاتفاق لا يمثل شيء بما قدمته في 2003. وفقا لتريتا بارسي رئيس المجلس الوطني الإيراني الأميركي (NIAC) ومؤلف الكتاب الشهير “التحالف الغادر: التعاملات السريّة بين إسرائيل وإيران والولايات المتّحدة الأميركية Treacherous Alliance: The Secret Dealings Of Israel, Iran And The U.S يقول في كتابة الذي صدر مؤخرا “لفة واحدة من النرد Single Role of the Dice فبعد اقل من شهر على احتلال بغداد، عرضت طهران اجراء مفاوضات شاملة مع واشنطن عن طريق السفير السويسري في طهران في ذلك الوقت تيم جولديمان، الذي ترعى سفارته المصالح الأمريكية، تتعهد فيه بوقف الدعم عن كل من حماس والجهاد الاسلامي الفلسطينية والضغط علىها لوقف هجماتهما على إسرائيل إلى جانب دعمها لوقف تسليح حزب الله في لبنان والضغط عليه؛ لنزع سلاحة وتحويله الى حزب سياسي محض ودعم الموافقة على التفتيش الدولي الدقيق للبرنامج النووي الايراني علاوة على الموافقة على مبادرة الجامعة العربية التي تدعو للسلام مع تل أبيب، مقابل الانسحاب الاسرائيلي الكامل إلى حدود ما قبل عام 1967.مقابل الاعتراف بإيران كفاعل اقليمي في المنطقة، ورفعه من قائمة محور الشر.
إلا أن ادارة بوش رفضت هذا العرض، وتم معاتبة السفير السويسري في طهران. وبالتالي لعلنا نتحدث عن العودة للتفاوض على وثيقة طهران 2003 مع مراعاة التغيرات الاقليمية والعالية.
*نقلا عن "اليوم" السعودية