.
.
.
.

مبررات تقسيم الدول العربية إلى دويلات!

عبد الرحمن الحبيب

نشر في: آخر تحديث:

بعد نهاية الحرب الباردة ظهرت تقارير غربية تتوقع انقسامات داخل الدول العربية، زادت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، ثم صارت رائجة بعد ما سمي الربيع العربي.. حتى وضعت خرائط تفصيلية لدويلات عربية جديدة تثير الرعب. فعلامَ تستند هذه التوقعات؟
الحجة الأساسية في أغلب تلك التقارير والدراسات ليست الأوضاع الداخلية للدول العربية، بل العوامل الخارجية حينما تغير النظام الدولي بنهاية الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، ونهاية تدخلهما المباشر في الدول لمنع انهيار النظام الحليف لإحداهما.. كتدخل السوفييت في تشيكوسلوفاكيا وأفغانستان، وتدخل أمريكا في فيتنام وتشيلي. ولأن هذا التدخل المباشر توقف، إضافة إلى المصاعب التي تواجهها الدول العربية وسقوط بعض أنظمتها مع الربيع العربي، أصبح انفصال بعض مناطقها إلى دويلات هو نتيجة حتمية لذلك. فهل هذه مبررات فعلية للانفصال؟
المبررات الطبيعية للانفصال هي الاختلافات الداخلية ثقافياً ومادياً، بينما تستند التقارير الغربية عن عالمنا العربي على تصورات خارجية نمطية للانقسامات التي حصلت شرق أوربا مثل يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفييتي بعد سقوط الأخير. لكن هل الحال بالدول العربية مشابه؟ كلا، مع الأخذ بالاعتبار حالة انفصال جنوب السودان، والدعوة الانفصالية باليمن وأكراد شمال العراق.
قبل تناول هذه الحالات من المهم تمييز نوعية الانقسامات بالدول الأوربية، فهي أساساً انقسامات في الهوية للدول الوليدة نتيجة اختلافات إثنية لغوية وعرقية ومذهبية لها امتداد تاريخي. ففي أوربا تجد أن ثمة غالبية لكل إثنية في منطقة معينة.. مثلاً، تجد في يوغوسلافيا السابقة: صربيا، الأغلبية أرثوذكس من العرق الصربي ولغتهم صربية، بينما في كرواتيا كاثوليك أصلهم كروات ولغتهم كرواتية، وفي البوسنة مسلمون أصولهم بوشناق ولغتهم بوسنية، وهكذا سلوفينيا ومقدونيا والجبل الأسود، مما شجع كلا منها على الانفصال بهويتها الخاصة.. ما يغيب عن بال كتاب التقارير الغربية (خاصة الأمريكية) ويثير اللبس لديهم، هو التصور بأن اختلافات الهوية (الطائفية والعرقية واللغوية) داخل كل دولة عربية تتميز بنفس التركيز التي هي عليه في أوربا؛ بينما الأقليات الإثنية في مناطق الشرق الأوسط هي غالباً متناثرة وغير مركزة. خذ مثلاً الأقلية القبطية في مصر هي متناثرة في البلد.. وكذلك الأقليات المتنوعة في أغلب المناطق العربية مما ينتفي معه عملياً إمكانية أن تطالب هذه الأقلية أو تلك بالاستقلال الكامل أو حتى الفيدرالي. والمطالبات التي قد تظهر لهذه الأقليات هي مطالبات حقوقية وليست انفصالية، بينما يفهمها كثير من المحللين الغربيين على النمط الأوربي كمطالب انفصال. أضف إلى ذلك أن الأقليات المتناثرة في مناطق الشرق الأوسط العربية لديها تاريخ مشترك مع الأغلبية بني في أكثر الحالات على التسامح منذ القدم وقبول التنوع كأمر مسلم به فالمنطقة بالأساس متنوعة، لكن ظهرت حالياً حركات دينية متشددة وقبلها حركات قومية شوفينية، هذا التشدد أدى إلى وهم في نظر المحلل الغربي بأنه نفس التشدد الذي يعرفه عن تاريخ المناطق الأوربية التي عانت على مدى قرون من حروب دينية وعرقية مريرة، وكان حلَّها في الانفصال.
لذا، فالوضع في العالم العربي يختلف في حالتين أساسيتين: الأولى، هي الحالة الذهنية للشعوب العربية؛ فهي شعوب بينها رابطة معنوية تاريخية ولغوية ومشتركات ثقافية متينة تشكل هوية واضحة المعالم. يتضح ذلك بالرأي العام العربي الذي يميل للاتحاد وليس مزيداً من تقسيمات سايكس بيكو. لذا ظهرت اتحادات عديدة بين بعض الدول العربية، كان أكثرها ثباتاً دول مجلس التعاون الخليجي، فضلاً عن جامعة الدول العربية حتى لو كانت ذات قرارات ضعيفة لكن لها مغزى توحيدي.
ليس هناك خطاب عربي يدعو للانفصال، بل إن كلمة «انفصال» بشعة بالقاموس السياسي العربي لكل التيارات، كلٌّ يتبرأ منها حتى الإقليمية المعارضة، فضلاً عن أن كثيراً من المعارضات العربية هي أممية الطابع أو قومية تشدد على الاتحاد.. والحالة الثانية هي الأمر الواقع؛ فلا نجد حركة انفصالية إلا في قليل من الدول العربية، وهي حركات غير عربية تقع في أطراف العالم العربي، كشمال العراق أو جنوب السودان الذي انفصل بالفعل. الاستثناء الوحيد هو اليمن لأنه أصلا أثناء الحرب الباردة كان دولتين، فهو ليس من إفرازات نهاية الحرب الباردة، وساعد على ذلك أنه يعاني منذ سنين من ضعف الحكومة المركزية والأمن، فمشكلته هي وجود الدولة كدولة! والانفصاليون يطرحون الانفصال كمرحلة مؤقتة، وليس للحفاظ على هوية وطنية دائمة ومستقلة عن اليمن.
المقومات الأساسية للانفصال تتطلب توافر الاختلاف في العوامل الثقافية (الهوية) والمادية (المصالح). من ناحية الهوية بالنسبة للشعوب العربية، فاللغة واحدة، والحضارة (الثقافة) بشكل عام متناغمة، والتاريخ مترابط. ومن الناحية المادية فالمصالح مشتركة أو على الأقل ليست مختلفة لدرجة الانفصال من الدولة الواحدة. أما تكرار التخويف بسيناريو انفصال جنوب السودان، فسنجد أن جنوبه يختلف تماماً عن شماله اختلافاً لغويا ودينياً وثقافياً وتاريخيا وحتى بيئياً، ليصبح الغريب أن تكون دولة واحدة وليس دولتين لهما هويتان مختلفتان. كما أن الحركة الانفصالية جنوب السودان ليست من نتائج نهاية الحرب الباردة بل ظهرت أثناءها (1983)، بينما بوادرها ظهرت منذ استقلال السودان. كذلك فإن الحركات الكردية ظهرت منذ عقود قبل نهاية الحرب الباردة، على الرغم من أنها لم تطالب بالانفصال بشكل مباشر في العراق أو سورية على خلاف الحال في تركيا. ومع ذلك ينبغي الحذر من التدخلات الخارجية التي قد تهيئ واقعاً افتراضياً للتقسيم، يمكن أن يتحول إلى واقع إجباري. يبدأ هذا الواقع الافتراضي بالتقارير الغربية ذات الخلفية الاستخباراتية كحرب نفسية للضغط أو بداية استغلال هذه الدولة أو تلك، على الرغم من أن بعضها أبحاث أكاديمية مستقلة لكنها واقعة في التباس تحليلي نتيجة التأثر بالنمط الأوربي في معالجة اختلاف الهويات. كما ينبغي الحذر من أن يبلغ السوء في بعض الدول العربية أن ترغب إحدى مناطقها بالانفصال ليس لأسباب الهوية بل لظروف معيشية وأمنية كما يحدث الآن في اليمن؛ فالضرورة المعيشية قد تشجع على دعوات الانفصال في أي بلد مهما كان متماسكاً كما يحصل في إيطاليا من مطالبة بعض الشماليين للانفصال لأسباب اقتصادية على الرغم من الرابطة الممتدة في عمق التاريخ.


*نقلاً عن "الجزيرة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.